قواعد علمية للتعامل مع قضية الإمام أبي حنيفة رحمه الله
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
وكذلك الخلاف بين أهل الرأي في العراق وبين أهل الحديث في الحجاز والشام، وذلك أن أهل الرأي يذهبون إلى أن أحكام الشرع مُعللة ومعقولة المعنى، تشتمل على مصالح ترجع إلى العباد، كما أنها بنيت على أصول محكمة وعلل ضابطة لتلك الحكم، فكانوا يبحثون عن تلك العلل والحكم، ثم يربطون الحكم بها وجودًا وعدمًا في حالة عدم وجود النص الصحيح لديهم؛ لذلك اشتغلوا بوضع المبادئ الأصولية والتفريع عليها، وهي طريقة تخالف طريقة أهل الحديث الذين يقفون على النصوص والآثار، ويتمسكون بظواهرها، دون بحث عن علة الحكم، وطريقة أهل الرأي في التفريع على المسائل وإعمال أصول الفقه هي طريقة استقر عليها أمر المدونة الفقهية من المذاهب الأربعة -فيما بعد- حتى من الحنابلة.
فإذا فهمنا طبيعة نشأة هذه المدارس سهل علينا فهم طبيعة الخلاف، فقد كان أبو حنيفة أول من تكلم في الفقه وتقاسيمه وطرق الاستنباط والقياس، وهذه الأمور لم يعهدها أهل الحديث؛ لأن كثرة الكلام من غير الاستدلال بالحديث عندهم لا شيء؛ فالعلم عندهم هو الآثار. لكن تطلب ذلك من أبي حنفية لكثرة المسائل التي يُحتاج إلى معرفة أحكامها في القضاء الشرعي؛ فدولة الفُرس قد خلَّفت في العراق أنواعًا من المعاملات والعادات والنظُم المالية والاجتماعية مما لا يُعهد مثله في الحجاز.
فظهر الفقه من حيث التقاسيم والضوابط العلمية، وأما أهل الحديث فما كانوا يحسنون ذلك، بل كان إذا سألهم سائل أفتوه بالآثار، وأحيانا كثيرة توقفوا عن الجواب لعدم معرفتهم بطرق استخراج الأحكام.
قال الربيع بن سليمان: “إن أصحاب الرأي كانوا يهزؤون بأصحاب الحديث حتى علَّمهم الشافعي وأقام الحجة عليهم” ( [16] ) . ويعني بذلك أن الإمام الشافعي علّمهم طرق الاستنباط.
وقال الإمام أحمد: “كانت أقضيتنا -أصحابَ الحديث- في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تُنزع، حتى رأينا الشافعي” ( [17] ) .
والشافعي إنما تعلم هذه الأصول والقواعد من الأحناف مثل محمد بن الحسن الشيباني، واستخلص منها ما لا يتعارض مع السنة، ثم علَّمها أصحاب الحديث.
القاعدة الثالثة: دراسة سبب الجرح:
من الأمور التي ينبغي أن ينتبه إليها طالب العلم أن قِسمًا كبيرًا من المنتقد على أبي حنيفة يحتاج إلى نظر، ودراسة سبب الجرح، لا سيما إذا جاء مُفسرًا، فأحيانًا يذكر أحد المتقدمين سببًا للقدح في أبي حنيفة، ولا يكون مصيبًا في قدحه، مثل قول يزيد بن زريع: «كان أبو حنيفة نبطيًّا»، وهذا ليس بجرح؛ لأن نسب الرجل لا يضره في شيء. وكجرحهم على بعض مسائل الفقه بسبب الخلاف بين المدرستين -كما سيأتي-، ففي هذه الحالة فإن التسليم للقدح دون النظر في السبب الذي دعا القادح إلى هذا القدح يُعتبر تقصيرًا من الباحث.
والمنتقَد على أبي حنيفة أقسام : فمنه نقد كان الحق فيه مع أبي حنيفة لا مع أصحاب الحديث، ونقد كان خطأً عليه، أو نُقِل عنه خطأ، أو روِي عنه مُحرَّفًا، أو فُهم عنه خطَأ، ونقد بما تراجع عنه أبو حنيفة، ونقد صحيح بسبب ما صح عنه من الإرجاء.
وكل قسم من هذه الأقسام يحتاج إلى سبر وتتبع، لكن المقام لا يحتمل إلا التمثيل:
1- المثال الأول: من الأدلة على ذلك:
جاء في كتاب (السُنة) لعبد الله بن أحمد قال: حدّثنِي مُحمّدُ بنُ علِيٍّ، ثنا إِبراهِيمُ بنُ بشّارٍ، قال: سمِعتُ سُفيان بن عُيينة يقُولُ: “كان أبُو حنِيفة يضرِبُ بِحدِيثِ رسُولِ اللّهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم الأمثال فيرُدّها. بلغهُ أنِّي أُحدِّثُ بِحدِيثٍ عن رسُولِ اللّهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم أنّهُ قال: «البيِّعانِ بِالخِيارِ ما لم يتفرّقا»، فقال أبُو حنِيفة: أرأيتُم إِن كانا فِي سفِينةٍ كيف يتفرّقانِ؟!”. فقال سُفيانُ: “فهل سمِعتُم بِأشرّ مِن هذا؟!”.
ففي هذا الأثر أن سفيان فهم أبا حنيفة خطأ، فليس مراد أبي حنيفة رد الحديث بعقله، وإنما اختار أن التفرق المقصود في الحديث هو تفرق كلمة لا تفرق أبدان، وهو قول إبراهيم النخعي أيضًا، ولذلك قال له: (أرأيتم إن كانا في سفينة فكيف يتفرقا؟!). يُريد من ذلك أن الصفقة تنتهي بمجرد انتهائها بالكلمة لا مغادرة الطرفين بالضرورة.
فهو يُفرّع على المسألة ويجمع بين الأدلة كشأن كتب الفقه المعاصرة، وهو ما لم يكن يقبله أهل الحديث الأوائل الذين يذمّون التفريع على المسائل وذكر القيودات والتحرّزات، ولا يستخدمون “أصول الفقه” كعلم مستقلّ، وهم معذورون في ذلك، بل ممدوحون لحرصهم على الحديث أيضا، رحم الله الجميع.
ومن الجدير بالذكر أن موقف أبي حنيفة أفضل من موقف الإمام مالك في هذه المسألة؛ لأن مالكًا ردَّ حديث « البيعان بالخيار » ، على العكس من أبي حنيفة فإنه يقبل هذا الحديث. قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث « البيعان بالخيار » فقال: يُستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. ثم قال أحمد: هو أورع وأقوَل بالحق من مالك ( [18] ) . فإذا كان هذا زجرهم للإمام مالك فكيف بأبي حنيفة؟!
والقصد مما سبق أن جملة من المنتقَد على أبي حنيفة لم يكن جرحًا عند التحقيق، بل هي أمور تتعلق بفقه الحديث، وليس ردًّا للحديث بعقله -كما فهموا-، وهو مسبوق ببعض الفقهاء الذين قالوا بقوله، ويُصدِّق ذلك قول الدارمي ردًّا على الجهمي: “لأن أبا حنيفة قد وافقه على بعض فتياه بعض الفقهاء، ولم يتابعكم على مذاهبكم إلا السفهاء وأهل البدع وأهل الأهواء” ( [19] ) .
فالخلاف كان يتخلله ما يُعرف اليوم بـ”سوء التفاهم”، فجاءت عباراتهم شديدة من أجل حجاب المعاصرة؛ فينبغي لطالب العلم المعاصر أن يتأمل سبب الجرح في كل قضية، لا أن يُقلد الذم دون تدبر.
2- المثال الثاني:
من الأمور التي ينقلونها في ذم أبي حنيفة -وعند التأمل تجد أنه لا ذم فيها بل هي مدح- ما أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه عن سُفْيَان بْن عيينة قال: “ما رأيتُ أحدا أجرأ على الله من أبي حنيفة. ولقد أتاه يومًا رجل من أهل خراسان فقال: يا أبا حنيفة، قد أتيتك بمائة ألف مسألة، أريد أن أسألك عنها، قال: هاتها. فهل سمعتم أحدا أجرأ من هذا؟!” ( [20] ) . وروي مثلها عن ابن أبي ليلى ( [21] ) .