قواعد علمية للتعامل مع قضية الإمام أبي حنيفة رحمه الله
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
ويُجاب عن هذا بأن القدرة على حل المسائل والجواب عنها من مثل أبي حنيفة هو دلالة على العلم وسعته، يقول ابن القيم : “الجرأة على الفُتيا تكون من قلة العلم ومن غَزَارته وسَعَته، فإذا قلَّ علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتَّسَعت فُتْياه ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فُتيا” ( [22] ) . ثم ذكر أن سعيد بن المسيب كان واسع الفتيا، وكانوا يدعونه بسعيد بن المسيب الجريء ( [23] ) .
ويقول العلامة المُعلمي مصوِّبًا أبا حنيفة : “فأما ابن عيينة فكان من الفريق الذين يكرهون أن يُفتُوا (وقد بين الأستاذ ذلك في التأنيب -يعني: الكوثري-) فكأنه كره قول أبي حنيفة: هاتها؛ لما يشعر به من الاستعداد لما يكرهه ابن عيينة، وكان أبو حنيفة من الفريق الذين يرون أن على العالم إذا سئل عما يتبين له وجه الفتوى فيه أن يفتي؛ للأمر بالتبليغ والنهي عن كتمان العلم، ولئلا يبقى الناس حيارى لا يدرون ما حكم الشرع في قضاياهم، فيضطرهم ذلك إلى ما فيه فساد العلم والدين، ولا ريب أن الصواب مع الفريق الثاني وإن حمدنا الفريق الأول حيث يكفّ أحدهم عن الفتوى مبالغة في التورع واتكالًا على غيره حيث يوجد، فأما الجرأة فمعناها الإقدام، والمقصود هنا -كما يوضحه السياق وغيره- الإقدام على الفتوى، فمعنى الجرأة على الله هنا هو الإقدام على الإفتاء في دين الله، وهذا إذا كان عن معرفة موثوق بها فهو محمود، وإن كرهه المبالغون في التورع كابن عيينة، وقد جاء عن ابن عمر أنه قال: لقد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علمًا. وعنه أيضًا أنه قال: أكثر أبو هريرة! فقيل له: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبُنّا، فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا؟!” ( [24] ) .
والقصد من ذلك تأمل الآثار التي وردت في القدح في أبي حنيفة كما فعل المعلمي مع الأثر السابق، لا تقليد الآثار دون تدبر.
3- المثال الثالث: قضية السيف والخروج على ولاة الجور:
قال الأوزاعي: “احتملنا عن أبي حنيفة كذا وعقد بأصبعه، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثانية، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثالثة؛ العيوب حتى جاء السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلما جاء السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم نقدر أن نحتمل” ( [25] ) .
والأوزاعي رحمه الله تكلم بما يعلمه من مذهبه القديم، إذ كان أبو حنيفة في أول أمره -وفي شبابه- يرى جواز الخروج على الحاكم الجائر، وقد ناصر ثورة زيد بن علي رحمه الله، لكن تراجع عن ذلك كما في كتابه “الفقه الأكبر”، وقال أبو حنيفة رحمه الله: (إنهم يفسدون أكثر مما يصلحون) ( [26] ) ، وذكر هذا عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ( [27] ) .
وذكر ذلك الطحاوي في عقيدته المشهورة بالعقيدة الطحاوية، وذكر أن هذه عقيدة أبي حنيفة وصاحبيه، ثم بيَّن فيها حرمة الخروج على الحاكم الظالم، إذ يقول: “ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة” ( [28] ) .
وكبار أصحاب أبي حنيفة وكذلك فقهاء المذهب الحنفي على حرمة الخروج على ولاة الجور، وهذا يدل على أن أبا حنيفة رحمه الله قد تراجع عن ذلك، ومعلوم أن عقيدة أبي حنيفة تؤخذ من كتبه وكتب أصحابه، لا من قصص التاريخ.
ومما سبق يتبيَّن أن جرح أهل الحديث بسبب الخروج لا وجه له عند التأمل؛ إذ لا يجوز جرح العالم لرأيٍ قديمٍ له.
وهذا يجرُّنا إلى سؤالٍ مهم هو:
هل يخطئ أهل الحديث في الحكم على شخص أو يختارون ما هو خلاف الأولى؟
والجواب: نعم قد يُخطئ جمهور أهل الحديث في جزئيات المسائل، فهم بشر، ويظل كلامهم اجتهاديًّا، إذ كان جمهور أهل الحديث يقول بأن القرآن ليس بحادث ولا محدث من غير تفصيل ( [29] ) ، أو لم يُظهروا التفصيل، مع أن الصواب -لغةً وشرعًا- هو التفصيل الذي هو مذهب البخاري وداود ( [30] ) ، واحتمله ابن قتيبة ( [31] ) ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( [32] ) .
وبيان ذلك: أن الحدث في اللغة هو التجدّد لا الخلق بالضرورة، والنصوص الشرعية جاءت بذلك، قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] فسمى القرآن مُحدثا، فكيف يُقال: إن من قال لفظة قرآنية -أي: بظاهر القرآن- كافر دون التحقق من قصده؟!
قال البخاري: “قوله: {مَا يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ} [الأنبياء: 2]، وقوله: {لِعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقال ابن مسعود: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أُحدث ألا تكلموا في الصلاة)” ( [33] ) .
وإنما قال أهل الحديث بتجهيم من قال: القرآن محدث؛ لأن الجهمية اصطلحوا على أن الحدث هو الخلق، فأراد أهل الحديث حسم المادة، ولا شكّ أن مجاراة المعتزلة في اصطلاحهم بهذا الإجمال لم يكن موفَّقًا، وفتَح بابًا للاحتمال لمن جاء بعدهم، وكان سببًا في أن تنازعتهم الفرق والمذاهب فيما بعد، والصواب كان مع البخاري وغيره.
ومسألة اللفظ بالقرآن وتبديع البخاري أظهر من ذلك في بيان أن أهل الحديث قد يخطئون، والصواب الكامل كان مع البخاري رحمه الله، لا مع جمهور المحدثين، مع أن البخاري فردٌ واحد، وكان أمام جماهير غفيرة من مشاهير أهل الحديث الذين هم في رتبة مشايخه. وقد ذكر ابن أبي حاتم الرازي الإمامَ البخاريَّ في كتابه (الضعفاء والمتروكين) ونقل كلام أهل الحديث فيه.
والقصد من ذلك: أن جمهور أهل الحديث قد يقول قولًا هو خلاف الأولى، أو يُخطئ في فرعيات المسائل، والعصمة لمن عصم الله تعالى.
القاعدة الرابعة: مراعاة الظروف المحيطة: