شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قواعد علمية للتعامل مع قضية الإمام أبي حنيفة رحمه الله

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

ينبغي مراعاة أن بيئة العراق كان قد انتشر فيها الكذب من أهل البدع مثل الشيعة والخوارج والمعتزلة، وكلٌّ يروي الأحاديث بهواه ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك فإن أبا حنيفة كان يشترط لصحة الأخبار شروطًا زائدة على شروط الصحة عند المحدثين، فعدم أخذه بتلك الأخبار كان لعدم اكتمال شروط الصحة لديه، لا لكونه يرد الحديث النبوي قصدًا.

وهنا ملحظ مهم، وهو مراعاة أن أبا حنيفة كان في الزمن الأول الذي لم تُجمع فيه السنة النبوية، ولم يستقر فيها علم الرجال والجرح والتعديل، فمعلوم أن أول من تكلم في الرجال جرحًا وتعديلًا هو شعبة بن الحجاج، ثم استوى هذا العلم بشكل معروف في زمن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، ولم يكن العلماء الأوائل من التابعين وتابعيهم يلتزمون بنفس تلك العلوم المُقننة، ولم يكن قد عنوا بالجمع بين الروايات والمتون، وكذا تتبع الرجال وأحوالهم ( [34] ) .

فمراعاة تفاوت الأزمنة من الأهمية بمكان، فإذا لم يأخذ أبو حنيفة ببعض الأحاديث، فلقد أنكر ابن مسعود المعوّذتين وحكهما من المصحف ( [35] ) -وقيل: أنه رجع- ( [36] ) ، لكن كان عذره أنه كان في زمن لم يستقر فيه جمع القرآن بعد، وكذلك -وسواء بسواء- عدم أخذ أبي حنيفة ببعض الأحاديث الصحيحة، فذلك بسبب أن علم الحديث لم يكن قد استقر بعدُ في زمنه، بل كان يرجع إلى كل عالمٍ واجتهاده.

ولذا فإن بعض هذه الأحاديث التي يرويها الأوزاعي ومالك من أهل الحديث لم تصح عند أبي حنيفة من طرقه هو، أو لم يكن يتحقق من رجالها بنفسه، فكان يُقدم المقطوع به عنده والذي عليه العمل عند الفقهاء على ما يسمعه من حديث لم يتحقق منه، أو قد يكون منسوخًا.

وطريقة الإمام مالك قريبة منه، فقد كان يُقدِّم المقطوع به من عمل أهل المدينة على حديث الآحاد أحيانًا لاحتمالية أن يكون منسوخًا ( [37] ) .

فإذا بلغ الأوزاعي أن أبا حنيفة يقدم رأيه، تكلم فيه بكلام شديد. وهذا يفسر تحامل الكثير من أهل الحديث عليه، وقد تقدّم نقل قول يحيى بن معين: “أصحابنا -أي: أهل الحديث- يُفْرِطون في أبي حنيفة وأصحابه” ( [38] ) . ويتضح من قوله: (يفرطون) أنه غير راض عن الإفراط في ذلك.

فلا ينبغي الظن بأن أبا حنيفة يرد الحديث إذا صح عنده، أو أنه يتعمد رد الحديث، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “قال أبو يوسف رحمه الله وهو أجل أصحاب أبي حنيفة، وأول من لقب: قاضي القضاة، لما اجتمع بمالك وسأله عن هذه المسائل، وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر؛ رجع أبو يوسف إلى قوله، وقال: لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت. فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل، كما لم يبلغه ولم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الحديث؛ فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه. وكان رجوع أبي يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد، وتركا قول شيخهما؛ لعلمهما بأن شيخهما كان يقول: إن هذه الأحاديث أيضا حجة إن صحت، لكن لم تبلغه. ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن وإما بهوى” ( [39] ) .

وقال ابن القيم: “أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه، كما قدَّم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بأقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف، وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك، وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة، فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول أحمد بن حنبل، وليس المراد بالضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنًا قد يسميه المتقدمون ضعيفًا” ( [40] ) .

ثم كيف يظن هذا بأبي حنيفة وهو أول من قال: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، و(لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) ( [41] ) ؟!

القاعدة الخامسة: مراعاة شدة السلف على من خالف ولو مخالفة يسيرة:

من الأمور المهمة التي ينبغي أن يتنبه إليها طالب العلم أن السلف قد يشتدّون على أيسر مخالفة أو في خلافٍ سائغ؛ لأجل أن الكلمة مجتمعة على قولٍ معين مشهور معروف فيما بينهم، فإذا ظهر عالم وقال خلاف ما يعرفون فقد يشتدون عليه؛ حتى لا يجر قوله إلى ما هو أشد منه من قِبل العامة، مع أنه قد يكون استقر الأمر-فيما بعد- أنه قول معتبر لا إنكار فيه.

وفي ذلك يقول العلامة المُعلمي: “كان مِن أهل العلم والفَضل مَن إذا رأى جَماعةً اتَّبَعوا بَعض الأفاضل في أمر يَرى أنَّه لَيس لهم اتِّباعه فيه -إمّا لأنّ حالَهم غير حاله، وإمَّا لأنه يَراه أخطأ- أَطلَق كلماتٍ يَظهر مِنها الغَضُّ مِن ذاك الفاضل، لكَي يَكُفَّ الناسُ عن الغُلوِّ فيه الحاملِ لَهم على اتِّبَاعه فيما لَيس لَهم أَن يَتَّبِعوه فيه” ( [42] ) .

ويقول أيضًا: “ومما يخرج مَخرج الذم لا مَخرج الحكم: ما يُقصَد به الموعظة والنصيحة، وذلك كأن يبلغ العالِمَ عن صاحبه ما يكرهه له، فيذمه في وجهه أو بحضرة مَن يُبَلِّغُه، رجاء أن يكفَّ عما كرهه له، وربما يأتي بعبارة ليست بكذب، ولكنها خشِنة موحشة، يقصد الإبلاغ في النصيحة، ككلمات سفيان الثوري في الحسن بن صالح، وربما يكون الأمر الذي أنكره أمرًا لا بأس به، بل قد يكون خيرًا، ولكن يخشى أن يجرَّ إلى ما يكره، كالدخول على السلطان، وولاية أموال اليتامى، وولاية القضاء، والإكثار مِن الفتوى. وقد يكون أمرًا مذمومًا وصاحبه معذور، ولكنَّ الناصح يحب لصاحبه أن يعاود النظر أو يحتال أو يُخفِي ذاك الأمر. وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر؛ إذ قد يكون لمن وقع مِنه أولًا عذر، ولَكن يُخشى أن يتبعه الناس فيه غَير معذورين” ( [43] ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية