قواعد علمية للتعامل مع قضية الإمام أبي حنيفة رحمه الله
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
من ذلك قول الزهري: “ما رأيت قوما أنقض لعرى الإسلام من أهل مكة، ولا رأيت قوما أشبه بالنصارى من السبائية” ( [44] ) .
يقول ابن عبد البر مُعلقًا: “وهذا ابن شهاب قد أطلق على أهل مكة في زمانه أنهم ينقضون عرى الإسلام، ما استثنى منهم أحدًا، وفيهم من جلة العماء من لا خفاء بجلالته في الدين، وأظن ذلك -والله أعلم- لما روي عنهم في الصرف ومتعة النساء” ( [45] ) .
القاعدة السادسة: مراعاة وجود ما هو كذبٌ على أبي حنيفة:
إن أهل البدع كالمعتزلة انتسبوا إلى أبي حنيفة، ونقلوا عنه أكاذيب في خلق القرآن، ونقلوها لأهل الحديث أيام المحنة، مثل أن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين، واستتيب بسبب خلق القرآن ونحو ذلك، فهذه وأمثالها من الخطأ عليه، ولم تكن المسألة مطروحة عند الأمراء في زمن أبي حنيفة أساسًا حتى يستتيبوه منها.
روى النخعي عن أبي بكر المروزي أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: “لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق” ( [46] ) .
كما كُذب عليه في الغلو في الإرجاء، فروى ابن عدي أن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قالَ: قُلتُ لأبي حنيفة: إن جابرا روى عنك أنك تقول: “إيماني كإيمان جبريل وميكائيل”! قَال: “مَا قلت هذا، ومَنْ قَالَ هذا فهو مبتدع”. قَالَ: فذكرت ذلك لمحمد بْن الحسن صاحب الرأي قول حَمَّاد بْن زيد، فَقَالَ: “صدق حَمَّاد، إن أَبَا حنيفة كَانَ يكره أن يَقُول ذلك” ( [47] ) .
وعن أَبِي يُوسُف قَالَ: “ناظرت أَبَا حنيفة ستة أشهر، حَتَّى قَالَ: من قَالَ: القُرْآن مخلوق، فَهُوَ كافر” ( [48] ) .
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وقد نقلوا عنه -أي عن أبي حنيفة- أشياء يقصدون بها الشناعة عليه، وهي كذب عليه قطعًا” ( [49] ) .
وقال أيضًا: “إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى، ويقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ويقولون: إن الله يُرى في الآخرة. هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين مثل مالك بن أنس والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق…” ( [50] ) .
فإن قيل: فلماذا يروي أئمة الحديث -ككتاب السنة لعبد الله بن أحمد وغيره- هذه الأكاذيب عن أبي حنيفة في كتبهم؟ والجواب: أن شرط هذه الكتب جمع كل ما قيل في الباب، من جنس ما رووه في أبواب الصفات، فإنهم غير قائلين بكل شاردة وواردة فيما ذكروه في الصفات بالضرورة، ففيه الضعيف والمنكر، والآثار التي قيلت اجتهادًا، ولكنهم يروون أشهر ما روي في الباب اعتمادًا على الإسناد، ومن أسند فقد أحال.
القاعدة السابعة: منزلة ما صح من النقد (بدعة الإرجاء):
ينبغي مراعاة أن ما صح من النقد على أبي حنيفة هي في بدع هو مسبوق بها، كبدعة الإرجاء، فقد وقع جماعة من السلف في الإرجاء مثله -وإن أخطؤوا في ذلك- كعطاء بن رباح وابن جريج وحماد بن أبي سليمان، وهم من العدول عند أهل الحديث، وقد عذروهم في ذلك؛ لاشتباه المسألة عليهم، وشبهتهم في ذلك أن الإيمان لغةً هو: التصديق، وأما شرعًا فقد ذكره المعصوم في حديث جبريل المشهور، ولم يذكر فيه الأعمال، وهم مخطئون لا شك؛ لأن بقية النصوص تضمنت إدخال الأعمال في مسمى الإيمان.
وهؤلاء يسمَّون بمرجئة الفقهاء؛ للتمييز بينهم وبين غلاة المرجئة من الجهمية، ولذلك ذهب غير واحد من أهل العلم أن الخلاف بينهم وبين أهل الحديث هو خلاف قريب.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنَّة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من فقهاء -كحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم- متفقون مع جميع علماء السنَّة أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وإن قالوا: إن إيمانهم كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًّا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضًا: إن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة” ( [51] ) .
وقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية: “والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري؛ فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزءا من الإيمان مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان بل هو في مشيئة الله -إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه- نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد… -إلى أن قال:- فَالْإِمَامُ أَبُو حنيفة رضي الله عنه نَظَرَ إلى حَقِيقَة الْإِيمَانِ لُغَة مَعَ أَدِلَّة مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ، وَبَقِيَّة الْأَئِمَّة رَحِمَهُمُ الله نَظَرُوا إلى حَقِيقَتِه في عُرْفِ الشَّارِعِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ ضَمَّ إلى التَّصْدِيقِ أَوْصَافًا وَشَرَائِطَ، كَمَا في الصلاة وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ” ( [52] ) .
القاعدة الثامنة: احترام ما استقر عليه عمل المسلمين:
إن لزوم “ما استقر عليه العمل” هي قاعدة جليلة عند أهل السُنة، وهو أنه إذا استقر عمل المسلمين على تلقي علمٍ أو إمامٍ بالقبول فهو دليلٌ على أنه مقبول إن شاء الله، وقد تكلم السلف في قراءة (حمزة الزيات) وهي قراءة سبعية، وجمهورهم كان يأمر أن يُعيد المصلي صلاته إذا صلى خلف إمام يقرأ بحمزة، لكن استقر العمل على أنها قراءة معتبرة مقروء بها.
قال ابن هانئ في مسائله: سألت أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- قلت: نصلي خلف من يقرأ قراءة حمزة؟ قال: إن كان رجلًا يقبل منك فانهه، قال أبو عبد الله: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لو صليت خلف من يقرأ قراءة حمزة أعدت الصلاة ( [53] ) .