قواعد علمية للتعامل مع قضية الإمام أبي حنيفة رحمه الله
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
قال أحمد بن سنان القطان: كان يزيد بن هارون ينهى عن قراءة حمزة، يكرهها كراهية شديدة ( [54] ) . وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره ( [55] ) . وقال سفيان بن عيينة: لا تصلوا خلف من يقرأ بقراءة حمزة ( [56] ) . وقال أبو بكر بن عيَّاش: قراءة حمزة بدعة، يزيد ما فيها من المدِّ المفرط والسكت، وتغيير الهمز في الوقف، والإمالة وغير ذلك ( [57] ) . ورُوِيَ عن عبد الله بن إدريس أنَّه لعن من قرأ قراءة حمزة ( [58] ) .
ولكن استقر عمل المسلمين على اعتبارها قراءة سبعية متواترة، قال الإمام الذهبي : “انعقد الإجماع بأخرة على تلقي قراءة حمزة بالقبول، والإنكار على من تكلَّم فيها” ( [59] ) .
فلا يُقبَل فيمن اتَّخَذه جُمهورٌ مِن جماهير المسلمين إِمامًا في الدين قَولُ أَحد مِن الطاعنين، يقول ابن عبد البر رحمه الله: “والسلفُ قَد سَبَق مِن بَعضهم في بَعض كلام، كثير مِنه في حال الغضب، ومِنه ما حَمَل عليه الحسد، ومِنه ما هو على جِهة التأويل مِمَّا لا يَلزم المَقُولَ فيه ما قاله القائلُ فيه، وقَد حمَل بَعضهم على بَعض بالسيف تأويلا واجتهادا، ولا يَلزم تقليدهم في شيء مِن ذلك دون برهان وحُجَّة تُوجِبُه، وهذا باب قَد غَلط فيه كَثير مِن الناس، وضَلَّت فيه نابِتة جاهلة لا تَدري ما عليها في ذلك “ ( [60] ) .
فينبغي الإذعان لما استقر عليه رأي أهل السنة، فالذم لأبي حنيفة كان رأيا قديما، ثم استقر رأي أهل السنة على إمامته، فالحنابلة نقلوا آراءه واحتجوا بخلافه، كالشريف أبي جعفر الحنبلي وابن قدامة في المغني وغيرهما، وعلى هذا سار المسلمون جميعهم.
بل إن أبا إسماعيل الهروي -مع شدته على أهل البدع- كان يحتجّ بأقواله في ذم المتكلمين والفلاسفة، وإثبات العلو وتكفير الجهمية ( [61] ) .
وكان ابن القيم يثني عليه ثناء عاطرا في النونية مثل قوله ( [62] ) :
وكذلك النعمان قال وبعده •• يعقوبُ والألفاظ للنعمان
من لم يقر بعرشه سبحانه •• فوق السماء وفوق كل مكان
ويقر أن الله فوق العرش لا •• يخفى عليه هواجس الأذهان
فهو الذي لا شك في تكفيره •• لله درك من إمام زمان
وقد وُفِّق أبو حنيفة إلى مسائل لم يوفَّق إليها بقية المذاهب، مثل تحريم التوسل بذوات الصالحين، وميراث الجد مع الأبناء، وعدم نقض وضوء من لمس امرأة، وكثير من المسائل التي رجحها شيخ الإسلام ابن تيمية وأقام عليها الأدلة، وأبان أن الحقَّ فيها مع أبي حنيفة وأصحابه دون الباقين.
وخلاصة ما سبق: أن الكلام في أبي حنيفة بعد استقرار إجماع الأمة على إمامته هو خروج عن سبيل المؤمنين، وإحداثُ بلبلة وشقٌّ للصفوف، بما لا داعي له، ولا تحته عمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)
([1]) التنكيل (1/ 190-192).
([2]) ينظر: تاريخ ابن معين -رواية الدوري- (3/ 517).
([3]) ينظر: تهذيب التهذيب (1/ 401).
([4]) ينظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (13/ 450).
([5]) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ص: 127).
([6]) ينظر: جامع بيان العلم وفضله (2/ 149).
([7]) نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد (ص: 48).
([8]) نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد (ص: 52).
([9]) نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد (ص: 60).
([10]) ينظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص: 42).
([11]) ينظر: تاريخ ابن معين -رواية الدوري- (3/ 517).
([12]) ينظر: جامع بيان العلم وفضله (2/ 149).
([13]) سؤالات ابن الجنيد لأبي زكريا يحيى بن معين (ص: 81).
([14]) ينظر: جامع بيان العلم وفضله (2/ 154).
([15]) ينظر: تاريخ ابن معين -رواية الدوري- (4/ 67).
([16]) ينظر: الانتقاء (ص: 129).
([17]) ينظر: آداب الشافعي ومناقبه (ص: 42).
([18]) مسائل حرب الكرماني (ص:481)، سير أعلام النبلاء (7/ 142-143) عند ترجمة ابن أبي ذئب.
([19]) نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد (ص: 48).
([20]) ينظر: تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (15/ 542).
([21]) المرجع السابق.
([22]) إعلام الموقعين (1/ 28).
([23]) المرجع السابق.
([24]) يُنظر: التنكيل لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/ 11).
([25]) يُنظر: كتاب السُنة لعبد الله بن أحمد (1/ 185).
([26]) الفقه الأكبر (ص: 62).
([27]) الفتوى الحموية (ص: 37).
([28]) العقيدة الطحاوية (ص: 55).
([29]) مع أن إسحاق ابن راهويه فصَّل وقال: “من قال: القرآن محدث على معنى مخلوق، فهو كافر بالله العظيم”. مسائل حرب الكرماني لإسحاق (417-418). لكنَّ تفصيل إسحاق كان على التكفير، لا يلزم منه أنه لا يراه مبتدعًا، فإن داود بدعه أحمد ولم يُكفره، فتنبه.
([30]) قال البخاري: (وأن حدثه تعالى لا يُشبه حدث المخلوقين). صحيح البخاري -مع الفتح- (13/ 505). ويقول ابن تَيميَّة: «وكانوا لا يعرفون للمحدث معنى إلا المخلوق المنفصل، فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة أن يقال: القرآن محدث، بل من قال: إنه محدث، فقد قال: إنه مخلوق. ولهذا أنكر الإمام أحمد هذا الإطلاق على داود لما كتب إليه أنه تكلم بذلك، فظن الذين يتكلمون بهذا الاصطلاح أنه أراد هذا فأنكره أئمة السنة، وداود نفسه لم يكن هذا قصده، بل هو وأئمة أصحابه متفقون على أن كلام الله غير مخلوق ، وإنما كان مقصوده أنه قائم بنفسه؛ وهو قول غير واحد من أئمة السلف، وهو قول البخاري وغيره. والنزاع في ذلك بين أهل السنة لفظي». مجموع الفتاوى (3/ 262).
([31]) قال ابن قتيبة: «وكذلك المُحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق، فإن أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله: {لَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَلِكَ أَمرًا} [الطلاق: 1]: إنه يخلق». الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (ص: 26).
([32]) قال ابن تيمية: “الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه هو حديث، وهو أحسن الحديث، وليس بمخلوق باتفاقهم، ويُسمى حديثًا وحادثًا، وهل يسمى محدثًا؟ على قولين لهم”. ثم ذكر أنه يتوقف على مراد القائل من المُحدث. «مجموع الفتاوى» (3/ 261).
([33]) صحيح البخاري -مع الفتح- (13/ 505).