شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بين المعجزة والتكامل المعرفي.. الإيمان بالمعجزة وأثره على تكامل المعرفة الإنسانية

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

لئن كان القرآن قد ذكر عامة المعجزات والآيات التي أيد الله بها أنبياءه فقد جمع الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم جميع أنواع المعجزات والآيات والبراهين التي جاء بها الأنبياء من قبله، سواء المعجزات العلمية الخبرية كالأخبار الماضية والقصص التاريخية والغيوب المستقبلية والعلوم الإلهية والعوالم الغيبية والأحوال الأخروية وإخبار الأنبياء والكتب السابقة عنه وإخبار الجن والكهنة عنه، أو المعجزات الحسية التي هي من باب القدرة والتأثير كاللغة واللسان، والمعجزات الجوية والأرضية سواء التي حصلت مع الإنسان أو الحيوان أو النبات أو حتى الجماد من جبل وحجر وجذع شجر وغيرها، ونصر الله لأمته وجعله الغلبة لهم وتغير وجه التاريخ وخريطة العالم على أيديهم في مدة وجيزة، وبقاء دينهم وأثرهم حتى يوم الناس هذا بعد عشرات القرون وبعد عشرات الدول والممالك التي تعاقبت عليها ( [7] ) .

وبالجملة فكل دليل -سواء معجزة أو غيرها- من دلائل النبوة دلت على نبوة نبي فقد ثبت مثله وأقوى منه حجة وأبصر منه دلالة وأعظم منه برهانا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل “من جعل المعجزات دليلا على نبوة نبي وقال: المعجزة هي الفعل الخارق للعادة المقرون بالتحدي السالم من المعارضة، ونحو ذلك مما يذكر في هذا المقام، وجعلوا ذلك دليلا على نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، قيل له: إن كان هذا دليلا فهو دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن دليلا لم يكن دليلا على نبوة موسى وعيسى، فإنه قد ثبت عن محمد من المعجزات ما لم يثبت مثله عن غيره، ونقل معجزاته متواتر أعظم من نقل معجزات عيسى وغيره، فيمتنع التصديق بآياته مع التكذيب بآيات محمد صلى الله عليه وسلم ( [8] ) .

ثم إن أهم معجزة موجودة اليوم بين يدينا وستبقى إلى آخر الزمان حتى يرفعها الله سبحانه وتعالى هو القرآن الكريم ؛ وهو مشتمل على عامة أنواع الإعجاز العلمي كأخبار الأمم الماضية والأخبار الغيبية المستقبلية والمعارف الإلهية والأنبياء والكتب السابقة وأخبار العوالم الغيبية والأحوال الأخروية، وهو أيضا معجزة حسية بين أيدينا، فهو كلام الله محفوظ في الصدور وفي السطور وبين العالمين في المشرق والمغرب بلا تحريف منذ ألف وأربعمائة عام، وقد أخبر بهذا منذ ذلك الوقت وهو اليوم كما أخبر: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، ووعد به النبي صلى الله عليه وسلم فقال كما في المتفق عليه من حديث أبي هريرة: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أُعطي ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة» ( [9] )، وكان ما أخبر؛ فبقي الوحي محفوظا وغدا أتباعه عدد حبات المطر، ورجاله ملء السمع والبصر، وهذا من أوجه كونه معجزة، يقول ابن تيمية (728هـ) رحمه الله: “والقرآن يظهر كونه آية وبرهانا له من وجوه: جملة وتفصيلا، أما الجملة فإنه قد علمت الخاصة والعامة من عامة الأمم علما متواترا أنه هو الذي أتى بهذا القرآن، وتواترت بذلك الأخبار أعظم من تواترها بخبر كل أحد” ( [10] ) .

فالقرآن فيه الدعوة والحجة، وقد تحدى كل من جاء بعده أن يأتوا بمثله وأنهم لم ولن يأتوا بمثله مع أنه كلام عربي وبلغتهم ، قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، “فعم بالخبر جميع الخلق معجزا لهم، قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا كلهم لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي والدعاء هو لجميع الخلق، وهذا قد سمعه كل من سمع القرآن وعرفه الخاص والعام، وعلم -مع ذلك- أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله، ومن حين بعث، وإلى اليوم، الأمر على ذلك، مع ما علم من أن الخلق كلهم كانوا كفارا قبل أن يبعث، ولما بعث إنما تبعه قليل، وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله، مجتهدين بكل طريق يمكن، تارة يذهبون إلى أهل الكتاب فيسألونهم عن أمور من الغيب… وتارة يجتمعون في مجمع بعد مجمع على ما يقولونه فيه… فتارة يقولون: مجنون. وتارة يقولون: ساحر. وتارة يقولون: كاهن. وتارة يقولون: شاعر… إلى أمثال ذلك من الأقوال التي يعلمون -هم وكل عاقل سمعها- أنها افتراء عليه” ( [11] ) .

التكامل المعرفي في معجزة الإسلام:

ولا نريد أن نطيل الكلام أكثر مما طال عن القرآن، ولو تركنا المجال لبلغ المجلدات، ولكن المقصود أنه إلى جانب تنوع إعجازه العلمي والحسي فقد جاء بالتكامل في المنظومة المعرفية؛ فالقرآن يرشدنا إلى فسح المجال لكل مصدر من المصادر المعرفية في مجاله، ويمتاز بكونه ينظر إلى المصادر المعرفية كلها (الخبر الصادق – العقل – الحس والتجربة) على أنها تمثل نوعًا من التكامل فيما بينها بما يحقّق الانسجام والتواؤم المعرفي التامّ، ويحقق للإنسان أعلى ما يمكن من المستويات المعرفية، ولا يصد ولا يغلق دونه أي باب من أبواب المصادر المعرفية سواء بدعوى التعارض بين مصادرها أو بين جزئياتها، بله العقل والخبر الصادق كلاهما مصدران من مصادر المعرفة في الإسلام، ولا يمكن أن يتعارض الوحي الصحيح الثابت مع ما في العقل الصريح، ولا يمكن أن يدل العقل الصريح على ما يتعارض مع الخبر الصادق الصحيح، بل كل ما ورد في الوحي يجب التسليم به؛ لأن ما دلّ عليه لا بد وأن يكون حقًّا، وما كان كذلك لا يمكن أن يدلّ العقل على استحالته وعدم إمكانه، فإما أن يكون حقًّا فلا يكون باطلا، وإما يكون باطلا فلا يكون حقًّا، والدلائل القطعية لا تتعارض( [12] ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية