بين المعجزة والتكامل المعرفي.. الإيمان بالمعجزة وأثره على تكامل المعرفة الإنسانية
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
وكما أن التعارض بين الخبر الصادق والعقل لا وجود له في الحقيقة في معجزة الإسلام، فكذلك التعارض بين العقل والتجربة والحس الصادق لا وجود له في المعجزة الإسلامية؛ لأن كلًّا من العقل والحس هو مقتضى الفطرة البشرية السوية، فالمدركات الحسية للجزئيات الواقعية لا بد أن تكون صحيحةً؛ لأنها مقتضى الفطرة، والمدركات العقلية الضرورية هي أيضا مقتضى الفطرة، فلا تعارض بينهما، وإنما “يستند إثبات هاتين الدلالتين مع الجزم بعدم تعارضهما إلى أنّ لكل منهما وجهًا من الدلالة يختص به لا يعارض الوجه الآخر، فالحواسّ إنما تدرك الوقائع الجزئية في الخارج، ولا يمكن أن تدلّ على التصورات والأحكام الكليّة الضرورية، كما أنه لا يمكن إدراك الوقائع الجزئية في الخارج بمجرد الغريزة العقلية وما تقتضيه من التصورات والأحكام الضرورية، وبذا يكون الشك في أحدهما مقتضيًا للشك في الآخر”( [13] ).
ومن هنا ندرك خصوصية معجزة الإسلام عن غيره من الأديان والمذاهب والفلسفات؛ لأن عامة الملل والنحل بُليت إما بخبر كاذب، أو صادق لكن محرف متلاعب فيه غير محفوظ، وإما بإغلاق باب الخبر على نفسها مطلقا فهي بذلك ترد الأخبار بالكلية حقها وباطلها، وفي الواقع تقبل ما وافق هواها من الأخبار؛ وإلا فمن منهم ينكر وجود كبار الفلاسفة كالفيلسوف أرسطو؟! وهل يملك من يثبت وجوده إلا خبرًا؟!
وإما أن تغلق باب العقل، وبذلك تفقد حقلًا عظيما من الحقول المعرفية المهمة؛ فالعلوم النظرية إنما تُبنى على المعارف العقلية الضرورية، وعلى القياس بشتى أنواعه وأسمائه.
وإما أن تغلق باب الحس والتجربة، فتعيش عصور الظلام السوفسطائي، وتنكر الحقائق، وتشكك في وجود الشمس في وضح النهار وهي تلهبه بلهيبها وتعمي عينيه بضوئها.
وهذا حال عامة الملل والنحل والفلسفات والمنظومات المعرفية عموما، وأما المنظومة المعرفية القرآنية فتؤمن بالتكامل المعرفي بين جميع المصادر المعرفية، وتمنع دعوى التعارض فضلا عن التناقض بين الحق الصحيح منها؛ وهذا ما يمكن استنباطه من الحديث الآنف الذكر -وهو وجه من أوجه الإعجاز القرآني- حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أُعطي ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامة» ( [14] ).
فالمعجزة القرآنية تختص بكونها الخبر والدليل على صحة الخبر في آن واحد؛ فهو قد جاء بمنظومة متكاملة مُحكَمة من حيث الدلائل والمسائل، ودلائله ومسائله مجتمعة في المصدر المعرفي الذي يمتاز به وهو الوحي؛ وهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم الذي هو {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: 80]، فكل ما عند المسلم من مسائل فالتسليم بها قائم على البرهان العقلي، سواء من جهة دلالة صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فعلينا التسليم بكل ما أخبر، أو من جهة دلالة الوحي على أفراد المسائل ذاتها.
أضف إلى ذلك أنه يختصُّ بجملة من المعارف اليقينية الخبرية التي لا توجد في أي نحلة ولا ملة؛ فالمصدر الخبري القرآني أصدق المصادر المعرفية سواء في باب العلوم الإلهية أو النبوية أو الغيبية أو العقدية الفكرية التي لا بد منها لكل صاحب فكر ومبدأ، أو أخبار الأمم الغابرة وأنبيائهم، أو التشريع الذي لا بد منه لأي اجتماع بشري؛ فما يختص به لا وجود له في غيره من الأديان الباطلة والمنسوخة والفلسفات والعلوم والحقول المعرفية جمعاء؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى ميَّز القرآن المبين بكونه مصدرًا خبريًّا حقًّا من مصادر المعرفة، إضافة ما تملكه البشرية من مصادر معرفية أخرى، ومن هنا فإن المسلم يدرك ويعلم كل ما تؤمن به البشرية من معارف ناتجة عن الحس أو العقل، ثم هو أيضا يؤمن بما أخبره به الله سبحانه وتعالى وأخبر به نبيه من علوم ومعارف في الوحي المبين؛ ذلك أن اختصاص المسلم بمعجزة القرآن يقتضي أن يكونَ لمنظومته المعرفية مجالات تختصّ بها؛ ولا يمكن الاستناد في ذلك إلى العهدين القديم والجديد ولا غيرها، فقد ثبت بالدلائل وقوع التحريف فيها، ثم إن المعجزة القرآنية تجاوز حدود المعرفة البشرية ومنظوماتها المعروفة اليوم؛ سواء المدرسة الحسية التي لا تجاوِز المحسوس، أو المدرسة العقليّة التي لا تسلِّم بالغيبيات وإن وصلت إلى شيء ضئيل منه بالاستدلال العقلي؛ فمن المعارف الغيبية ما لا يمكن إدراكه إلا من جهة المصدر الخبري الحق من العلوم الإلهية والعوالم العلوية والأخبار السابقة والمستقبلية، بله “التشريع؛ إذ لا يمكن للبشر أن يشرِّعوا لأنفسهم ما فيه صلاحُهم، لغلبة الجهل والهوى عليهم، وإنما يتوقَّف ذلك على التشريع بالوحي، فاليقين في الغيبيات والهداية في التشريعات مما تختصّ به المعرفة في الإسلام عن جميع الأديان والمذاهب الفلسفية”( [15] ).
ولكن العجيب أن يُرمى الدين الإسلامي بتهمة الحجر على العقول وإغلاق المصادر والمنافذ المعرفية، مع أنه أكثر وأدق المنظومات المعرفية مصادر سواء الخبر أو العقل أو الحس، كدعوى أن الإيمان بالمعجزات إغلاق لأبواب المعرفة العقلية أو الحسية وإفساح المجال أمام الخرافة والتكهنات والخيالات والجهل!
هل الإيمان بالمعجزات إغلاق لأبواب المعرفة؟
تبين لنا مما سبق أن هذا السؤال في الواقع قلب للحقيقة عما هي عليه، ويمكننا الإجابة عن هذا السؤال ومناقشته بما يأتي:
أولا: الواقع أن المعجزة في الدين تفتح أبوابًا للعلم والمعرفة لا توجد عند غيرهم من الأمم ؛ لأن المعجزة دليل للعلم بصدق النبي عليه السلام؛ وبالتالي فهو مفتاح وباب لموثوقية جميع ما جاء به الأنبياء؛ فإن ثبت حصول المعجزة فهو يفتح باب العلم والمعرفة النبوية وما يخرج من مشكاته من علوم إلهية وعلوم غيبية وأخروية وتشريعات وعقائد وغيرها، فالواقع أن المعجزة مفتاح ودليل على الوثوق بمصدر من المصادر المعرفية الخبرية لا العكس.