شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علم الكلام السلفي الأصول والآليات

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

2- الفطرة: فهي أصل الخلقة لقوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، ويصل الأمر بالمعلمي إلى أن يجعلها مرادفة للعقل الصريح الذي يشترك فيه الجميع، أو يضيفه أحيانا إليها كقوله: ( العقل الفطري )( [14] )، وأحيانا ( العقل العادي )( [15] )، ويقصد به العقل في أصل خلقته بدون مشوشات أو تأثيرات خارجية.

حقيقة العقل في فكر المدرسة السلفية:

– ( ع ق ل ) كما يقول ابن فارس رحمه الله: ( أصل واحد منقاس مطرد، يدل عُظْمُه على حُبْسَة في الشيء أو ما يقارب الحبسة، من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل )( [16] ).

وحقيقة العقل من المباحث الكبرى التي اختلفت فيها الفرق بين مؤله ومهدر، واختار السلفيون له معنى خاصا حاولوا استخراج أسسه من الكتاب والسنة.

قال المعلمي: ( كلمة العقل وقع فيها التدليس، فهناك العقل الفطري الصريح الذي لا التباس فيه، وهو الذي أعده الله تعالى ليبني عليه الشرع والتكليف، وهو الذي كان حاصلًا للأمم التي بعث الله تعالى فيها رسله وأنزل فيها كتبه، وهو الذي كان حاصلًا للصحابة ومن لعدهم من السلف، فهذا هو الذي يسوغ أن يقال: إن ما أثبته قطعًا فهو حق، ودون ذلك نظر متعمق فيه، مبني على تدقيق وتخرص ومقاييس يلتبس فيها الأمر في الإلهيات ويشتبه ويكثر الخطأ واللغط )( [17] ). فيظهر من كلام المعلمي أن العقل نوعان: عقل فطري صريح، وعقل متكلف متعمق.

أما الأول فهو العقل الذي يعتمده أتباع المدرسة السلفية، مستندين إلى منهجية القرآن والسنة في استعمال قياساته المنتجة الصحيحة، وأما العقل المتعمق فيما لا يعنيه ولا يقدر على الغوص فيه فهو المرفوض عندهم.. وهو أصل المتكلمين في مقالاتهم ومنهجهم العام.

لعل من أهم الأسئلة التي قد يطرحها كل باحث في المجال الكلامي والعقدي: ما مكانُ العقل في المنظومة العقدية السلفية؟ خصوصا وقد صنفت على أنها مدرسية نصوصية أو حرفية أو ظاهرية، لا مكان للعقل عندها في مجال العقيدة بمختلف مكوناتها عند المتكلمين: ( الطبيعيات ) و( الإلهيات ) و( النبوات )، ولا محل للحجاج العقلي والجدل في مباحثهم ومناظراتهم وتقريراتهم للعقيدة ، مع التنبيه على أن مجال الاتهام لهم كان ولا يزال أوسع من العقيدة، فقد اتُّهمت المدرسة السلفية بإهدار العقل وتعطيله مطلقا في كل شيء، وتفاوتت درجات التهم باختلاف الفرق المتهِمة، وهو ما دفع مخالفيهم قديما كالمعتزلة وحديثا كالأشاعرة إلى وصفهم بعدم الأهلية والقدرة على مواجهة خصوم الإسلام من باطنية ونصارى وفلاسفة، ووسموا منهجهم بالعجز عن المواجهة الفكرية لخصوم الملة، وقد دافعت المدرسة السلفية عن نفسها بشواهد الواقع في كتابات أعلامها، وبينت الجانب العقلاني في الفكر السلفي عند كبار منظريها، ولعل من أبرز مظاهره كما قال الدكتور مفرح القوسي: ( 1- نبذ التقليد، 2- استخدام الأقيسة العقلية في الاستدلالات الشرعية( [18] )، 3- اعتقادهم عدم وجود تعارض بين العقل والوحي )( [19] ).

ويوضح ابن تيمية موقف المدرسة السلفية من العقل بقوله: ( اعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما علم العقل صحته، وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة )( [20] ). فجعل التعارض بينهما من دعاوى المخالفين خلافا لمدرسته التي لا ترى ذلك، وقوله: ( لا يطعنون في جنس الأدلة ) واضح في بيان موقفهم من العقل وأدلته ابتداء.

ويؤكد هذا الدكتور محمد عمارة فيقول: ( لم ينكروه لأن السمعيات قد تحدثت عنه.. ولكنهم أنكروا العقل كما تصوره الفلاسفة اليونان ومن نحا نحوهم من علماء الإسلام وفلاسفته )( [21] ).

وأهم مظهرين من مظاهر موقفهم من تلك العلاقة أن العقل عندهم موافق للوحي ابتداء، وهو الأصل عندهم، ومنه يصدرون، ولذلك استعملوه بطريقة موازية للنصوص حين احتاجوا لذلك، وشهدوا بنتائجه لما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة عندهم، فكانوا يرون أن العقل وسيلة شاهدة لا مقررة، فلم يستعملوا منهج المتكلمين في الاحتجاج والجدل به، بل ركنوا إلى المنهج القرآني في ذلك، واستخدموا قوالب الأقيسة القرآنية، والمقصود قياس الأولى في حق الله تعالى لا قياس الشمول ولا قياس التمثيل، يقول ابن تيمية رحمه الله: ( وهذا النمط هو الذي كان عليه السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره من السلف يسلكونه من القياس العقلي في أمر الربوبية، وهو الذي جاء به القرآن )( [22] ).

ومن ذلك أنهم أثبتوا صفات لله تعالى بالعقل، وقد جعل ابن تيمية هذا القاعدة السابعة في كتابه العقيدة التدمرية( [23] ) فقال: ( إن كثيرا مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه وينبه عليه ). ثم ذكر من أمثلة ذلك: الحياة العلم والقدرة والإرادة والسمع والكلام والبصر، بل والحب والرضا والغضب، وكذلك علو الله تعالى، ونسب ذلك إلى الإمام أحمد( [24] )، بل أشار إلى إمكانية إثبات رؤية المؤمنين لربهم بالعقل فقال: ( منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك )( [25] )، ويقول ابن القيم رحمه الله في الدارمي عن كتابيه الرد والنقض: ( فيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما )( [26] )، وفي خصوص صفة الكلام فقد أثبتها بعض نظار المدرسة كالإمام أحمد رحمه الله في كتابه ( الرد على الزنادقة والجهمية )، قال ابن تيمة رحمه الله: ( السلف والأئمة وغيرهم لهم في إثبات كونه متكلما طريقان، فإنهم يثبتون ذلك بالسمع تارة، وبالعقل أخرى كما يوجد مثل ذلك في كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة )( [27] ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية