شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علم الكلام السلفي الأصول والآليات

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

وقد اشتهر عند الدارسين كتاب كبير لابن تيمية في حجمه ومضمونه ومقصوده، وهو كتاب: ( درء تعارض العقل والنقل )، ألفه ابن تيمية للرد على الفرق الثلاث المخالفة للمدرسة السلفية: ( الفلاسفة ) و( المعتزلة ) و( الأشاعرة ) خاصة، إذ هو مقرر للرد على قاعدة الرازي في تعارض العقل والنقل، وفحوى الكتاب ورسالته أنه لا تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل.. ويقصد بالعقل العقل المطلق عن أن يقيد بشخص أو مدرسة.

مناظرات أهل الحديث للملل والنحل:

الرد على أهل الضلال سيرة جارية، فقد جادل الأنبياء ضلال قومهم، وتابعهم حواريوهم، واستقر أمر المحسنين على طريقتهم، قال الجويني بعد ذكر قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، وقوله عليه الصلاة والسلام: « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين » : ( وهذه الألفاظ عموم في التوحيد والشريعة، وهي أيضا سيرة الرسل عليهم السلام مع أممهم، وسيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وسيرة علماء الصحابة رضي الله عنهم بعده، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم إلى يومنا هذا، وعليه عادة العقلاء في أديانهم ومعاملاتهم ومعاشراتهم )( [28] ). فمحاججة أهل الباطل سنة مستمرة، وفّى حقَّها أهل الحديث في كل مرة اقتضاها الحال.

كان السلف الأوائل متفطنين لتسلل الشبه والعقائد الباطلة إلى مجتمعات المسلمين، وكانوا يتصدون لها بكل جدية وحزم، ويتصيدون كل متسللة خفية، فقد ناظر ابن عباس الخوارج، ورد ثلة عظيمة منهم إلى الحق، ونقض ابن عمر عقيدة نفي علم الله عند طائفة قدرية بصرية وتبرأ منهم، واحتج عليهم بحديث جبريل، واستمر الأمر على هذا بعدهم، وقام أهل الحديث بالحفاظ على هذه العادة، وأعجبني في هذا قول الدكتور علي الفقيهي رحمه الله في ردود أهل الحديث على الجهمية وغيرهم: ( وردود السلف في القرون الأولى تعتبر أول رد على هذه النزعات في تاريخ الإسلام الذي توسع فيه من جاء بعدهم إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية )( [29] ). فليس من الإنصاف إذن أن يقال: إن السلف ومن يليهم من الخلف المتبعين لهم بإحسان لم يتصدوا للبدع والضلالات بالتأليف والتصنيف، فشواهد التاريخ قائمة، فليس لزور التهمة محل ولا مقام.

كان أهل الحديث لا يظهرون الرد ولا ينشطون للمناظرة إلا إذا رأوا في ذلك تحقيقا لدفع مفسدة في دين الناس، وإلا فإنهم كانوا يؤثرون الكف عن ذلك منعا من إشهار أمر أهل البدع وبدعهم بين الناس، ولعدم قبولهم قواعد النظر التي يستعملها أولئك مما استجلبوه من الفلسفة اليونانية والهندية والفارسية وغيرها، وعندما ظهر قرن الجهمية واشتغل الزنادقة ببث الشبه والضلالات بين الناس، تصدّوا لهم بالتأليف والمناظرة، وصدوهم عن مقاصد الإفساد، وقد نقل العلماء مناظرات السلف لأهل البدع والديانات الباطلة، مثل أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، واعتبروا بذلك للشهادة لجواز المناظرة والجدل مع المخالفين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( والمقصود أن هذه الأمة -ولله الحمد- لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده )( [30] )، فتأمل قوله: ( يتفطن لما في أهل الباطل من الباطل ويرده )، فهو ملخّص لمقاصد هذه الورقة، فأهل الحديث والسنة عندهم تفطن لما تقتضيه مقالات أهل الزندقة والبدع، ومرد هذا إلى عقل متيقظ فطن منتبه، عارف بأصول الكلام ومعاقده ومآلاته ومنافذه، وعلى هذا ينبني رده لها وكشفهم بواطن الظواهر، ونقض على هدى من الله لكل بناء مقام على ضلالة، وهو قيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيام بواجب النصيحة للمؤمنين، وللدكتور بكر أبو زيد رحمه الله فصل لطيف ممتع في بيان أصل مشروعية الردود على أهل الضلالة، بل وجوبها، جعله مقدمة لكتابه “ الردود “، وفيه تأصيل مفيد وتفريعات جيدة، أعجبها ما عرضه عن المنهج الحجاجي القرآني، فيحسن مراجعته.

تنوعت ردود أهل الحديث على الخارجين عن التوحيد والسنة بتنوع المردود عليهم، فردوا على الزنادقة والملاحدة، والجهمية والفلاسفة، والمتكلمين والمتصوفة، وعلى اليهود والنصارى، والسمنية والمجوس، وناقشوهم بالنقل والعقل، وناظروهم في المجالس أحسن مناظرة، فمن ذلك مناظرات الصحابة، مثل مناظرات ابن عباس رضي الله عنه للخوارج، وانتقاد ابن عمر رضي الله عنهما للقدرية الأولى نفاة علم الله تعالى، ومناظرات الشافعي للجهمية والمعتزلة، وردود الإمام أحمد والدارمي وابن قتيبة والبخاري وابن منده على الجهمية، وردود ابن تيمية وابن القيم على الروافض والقدرية والنصارى والفلاسفة والمنطقيين والمتصوفة والمتكلمين والباطنية، وتتبع هذا يحتاج إلى تصنيف خاص، ولا تزال الردود مستمرة إلى الآن والحمد لله، وينبغي أن تستمر.

علم الكلام الحنبلي:

وكما ذكرتُ: لستُ أنسى -إن شاء الله تعالى- سؤالي لأستاذي الدكتور جمال البختي في درس علم الكلام في كلية أصول الدين في تطوان عن استعمال أهل الحديث للعقل في ردودهم العلمية في مسائل العقيدة، فكان جوابه بإحالتي على كتاب “ الرد على الزنادقة والجهمية ” للإمام أحمد بن حنبل، وقال: “استعمل الإمام أحمد العقل القرآني “. وقد أثار هذا انتباهي حينها كثيرا، ورجعت إلى الكتاب فوجدت فيه شواهد ذلك، مثل نقده لدليل سبر وتقسيم فاسد، واعتماده على الاستقراء، وإفساده لقياسٍ ببيان الفارق، وتنبيهه على ما سماه “ مغالطة “، وغير ذلك من العمليات العقلية المعروفة عند أهل هذا الشأن، ثم وقفت على شهادات الحنابلة في ذلك، منهم العلامة أبو يعلى فإنه قال: ( وقد احتج أحمد رحمه الله بدلائل العقول في مواضع فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية)( [31] )، ثم ذكر أمثلة على ذلك، وقال ابن مفلح الحنبلي: (وقد صنف الإمام أحمد رحمه الله كتابا في الرد على الزنادقة والقدرية في متشابه القرآن وغيره، واحتج فيه بدلائل العقول )( [32] ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية