علم الكلام السلفي الأصول والآليات
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
وقد كان السلف ينهون عن المفاوضة بهذه المسالك، لكنهم فعلوا ذلك درءًا للمفسدة، حتى تبين لهم أن الكلام صار واجبا، وعلى هذا مذهب الحنابلة، ففي الآداب الشرعية لابن مفلح: ( ما تمسك به الأولون من قول أحمد فهو منسوخ، قال أحمد في رواية حنبل: قد كنا نأمر بالسكوت، فلما دعينا إلى أمر ما كان بد لنا أن ندفع ذلك ونبين من أمره ما ينتفي عنه ما قالوه، ثم استدل لذلك بقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ، وبأنه قد ثبت عن رسله الجدال، ولأن بعض اختلافهم حق وبعضه باطل، ولا سبيل إلى التمييز بينهما إلا بالنظر، فعلمت صحته )( [33] )، وفيه أيضا: ( ووجدت في كتاب لولد ولد القاضي أبي يعلى ذكر فيه خلافا في المذهب، وكلام أحمد في ذلك، قال: والصحيح في المذهب أن علم الكلام مشروع مأمور به، وتجوز المناظرة فيه والمحاجة لأهل البدع، ووضع الكتب في الرد عليهم، وإلى ذلك ذهب أئمة التحقيق القاضي والتميمي في جماعة المحققين )( [34] ),
وعلى هذا النهج سار شيخ الإسلام، فانبرى لخصوم التوحيد والسنة بالنقد والنقض، وتوسع في ذلك كثيرا.
ابن تيمية وعلم الكلام:
من الأمور المثيرة في كلام ابن تيمية حرصه على تقييد علم الكلام الذي يرده بالمذموم، والقيد روح الكلام، وهذا التقييد أمارة على أن ثم علمَ كلام آخر محمودًا عنده، وهو الذي استعمله في جل كتبه، فبه ناظر الفلاسفة والمتكلمين، والمتصوفة والنصارى، واليهود والباطنية وغيرهم( [35] )، ومن واضح عباراته في ذلك قوله: (فإن جميع هؤلاء دخلوا في الكلام المذموم الذي عابه السلف وذموه)( [36] )، وقوله : (وهذا كثيرا ما يقع في كلام أهل الكلام المذموم، يطولون في الحدود والأدلة)( [37] )، وقوله: (طريق الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المذموم -عند السلف المحدث في الإسلام وهم الذين ابتدعوا هذه الطريقة والاستدلال بها- والتزام لوازمها والتفريع عليها، وإن كان قد شركهم في ذلك قوم من غير المسلمين أو سبقوهم إلى ذلك، سواء كانوا من الصابئين أو اليهود أو غيرهم… وهذه وأمثالها هي من الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه والنهي عنه، وتجهيل أصحابه وتضليلهم، حيث سلكوا في الاستدلال طرقا ليست مستقيمة، واستدلوا بقضايا متضمنة للكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة، وصرائح المعقول، فكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ووسائلهم، وأحكامهم ودلائلهم)( [38] )، وهذا من أجمع نصوص ابن تيمية في هذا.
ومن المواضع المهمة في تراث ابن تيمية مما يجلي حقيقة موقفه تأصيلا وعملا نقله عن ابن عساكر من “ تبيين كذب المفتري ” كلامه في ذم السلف لعلم الكلام، وألطف ما في ذلك أن ابن عساكر فرق بين “ علم كلام مذموم ” و” علم كلام محمود “، موافقا في ذلك البيهقي ، وقد نقل ابن تيمية كلامه ولم ينتقده من هذا الوجه، فالظاهر أنه موافق له ومعتمد، ومن ذلك توجيه ذم الشافعي لعلم الكلام فإنه قال: ( إنما عنى الشافعي الكلام البدعي)( [39] )، فدل على وجود “علم كلام سني”، ومن ذلك أيضا قوله: (فأما الموافق للكتاب والسنة، الموضح لحقائق الأصول عند الفتنة، فهو محمود عند العلماء) ( [40] ) ، وهذا صريح في التنويع، وأصرح منه قول البيهقي: (وفي كل هذا دلالة أن الكلام المذموم إنما هو كلام أهل البدع الذي يخالف الكتاب والسنة، فأما الكلام الذي يوافق الكتاب والسنة، ويبين بالعقل والعبرة، فإنه محمود مرغوب فيه عند الحاجة، تكلم فيه الشافعي وغيره من أئمتنا رضي الله عنهم) ( [41] ) . وهذا تأصيل حسن جدا، ووجه الشهادة من هذا أن ابن تيمية نقله معتمدا عليه، وهو الموافق لتصرفاته في مصنفاته.
ومما يبين موقف ابن تيمية في هذا من صريح كلامه قوله ردًّا على من حمل ذم العلماء لعلم الكلام على الإطلاق، وأن مشروعية الجدل في القرآن منسوخة بآية السيف: ( وطائفة تظنّ أنّ الكلام الذي ذمّه السلف هو مطلق النظر والاحتجاج والمناظرة، ويزعم من يزعم من هؤلاء أنّ قوله: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [العنكبوت: 46] ، و{ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] منسوخٌ بآية السيف وهؤلاء أيضا غالطون؛ فإن الله تعالى قد أخبر عن قوم نوح، وإبراهيم بمجادلتهم للكفار؛ حتى: { قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } [هود: 32] ، وقال عن قوم إبراهيم: { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: 80] ، إلى قوله: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83] ، وذكر محاجة إبراهيم للكافر، والقرآن فيه من مناظرة الكفار، والاحتجاج عليهم ما فيه من شفاء وكفاية )( [42] ).
علم الكلام الجديد:
هناك حديث اليوم عن “ علم كلام جديد “ ، تولاه طائفة من الباحثين في الفكر الكلامي والأشعري خاصة، وقد صدرت مؤلفات حاول فيها أصحابها وضع أصول هذا العلم الجديد، بربطه بقديمه، وربما تجاوزه، وهم من توجهاتٍ ومدراسَ مختلفة، بل متناقضة أحيانا، وتختلف مقاصدهم من ذلك باختلاف انتماءاتهم الفكرية، فهناك من يريد علم كلام جديد لمواجهة الإلحاد والباطنية الجديدة والعلمانية وأخواتها، وهناك من يريده لتصفية حسابات طائفية مذهبية، وهناك من يريد به أن ينتقد الإسلام نفسه في مصادره وأصول تراثه، وإنما يهمني الطائفة الأولى، وجلهم ينتمون إلى المدرسة السلفية، وهذا أمر لافت للنظر، فجلّ ما يقبل الناس على مطالعته هي مؤلفات باحثين صرّحوا بأنهم على منهج الصحابة في العلم والعمل، وهؤلاء مشتغلون بنقد ونقض أصول المذاهب الباطلة وتزييف عقائدها، وتفسير الشبه التي يصدرونها للناس، وكثير من المنتسبين للمذاهب الكلامية -خاصة من المنتسبين في زعمهم للأشعري- منشغلون بنقد المدرسة السلفية!