شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد أورد تفسيرَ ابنِ مسعودٍ وابن عباس رضي الله عنهما المتقدم: (وهذا عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما مخالفٌ لما رواه آخرون عنهما. أما ابن عباس فروى الأعمش عن مسلم عن ابن عباس في قوله: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبُوهم.

وكذا روي عن سعيد بن جبير، وعمران بن الحارث السلمي، وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس بمثله.

وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب حدثنا إبراهيم بن أبي حرة الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال له: يا أبا عبد الله، كيف هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)؟ قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا.

فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجل يدعى إلى علم فيتلكأ! لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا.

ثم روى ابن جرير أيضًا من وجه آخر: أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك، فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه، وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني ( [31] ) .

وهكذا روي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك، وكذا فسرها مجاهد بن جبر، وغير واحد من السلف) ( [32] ) .

وقد اختلفت مسالك العلماء في التعامل مع هذين القولين عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، فمنهم من سلك مسلك الجمع، ومنهم من سلك مسلك الترجيح.

فممن سلك مسلك الجمع: الحافظ ابن حجر، فقال بعد أن أورد هذا التفسير: (فليكن هو المعتمد في تأويل ما جاء عن ابن عبّاس في ذلك، وهو أعلم بمراد نفسه من غيره) ( [33] ) .

وقَوَّى ابن حجر هذا التفسير أيضًا بكونه جاء عن سعيد بن جبير رحمه الله، وهو من أكابر أصحاب ابن عباس العارفين بكلامه ( [34] ) .

قال ابن حجر: (ولا يَرِدُ على ذلك ما روى الطبري من طريق ابن جريج في قوله: (قَدۡ كُذِبُواْ) خفيفة، أي: أُخلِفوا؛ لأنا إذا قررنا أن ‌الضمير ‌للمرسل ‌إليهم، لم يضر تفسير كذبوا بأخلفوا، أي: ظن المرسل إليهم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به، والله أعلم) ( [35] ) .

ويشكل على هذا أن الروايات الورادة عن ابن عبّاس رضي الله عنهما فيها ما هو صريح في عود الضمير على الرسل، كقوله المتقدّم: ( كانوا بشرًا، ضعفوا ويئسوا ) ( [36] ) .

كما أن سعيد بن جبير رحمه الله جاءت عنه الرواية المتقدّمة، كما جاءت عنه هذه الرواية، وفيها: (نعم، ‌ألم ‌يكونوا ‌بشرًا؟!) ( [37] ) .

وممن سلك مسلك الترجيح: الإمام الطبري، فإنه اعتمد هذا القول وانتصر له، ورَجَّحه على القول الأول بدلالة السياق، وكونه الأشبه بصفات الأنبياء ( [38] ) ، ولذلك قال ابن كثير: (وزيف ابن جرير القول الآخر بالكلية، ورَدَّهُ وأباه، ولم يقبله ولا ارتضاه) ( [39] ) .

ورجح أبو المظفر السمعاني أيضًا هذا التفسير عن ابن عبّاس رضي الله عنهما حيث قال: (وفي معناه قولان:

أحدهما: ما روي عن ابن عباس أنه قال: ضعفت قلوب الرسل -وقد كانوا بشرًا- بتطاول الزمان وكثرة، وقد قال الله تعالى في موضع آخر: (وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ) وقوله: (مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِ) استبطاءٌ، أو قالوا: هذا من ضعف البشرية.

والقول الثاني -وهو الصحيح-، وهو منقول أيضًا عن ابن عباس: أن معنى الآية: وظنَّ مَن آمن بالرسل، أن الرسل قد كُذِبوا بالتخفيف، أو ظن القوم الذين بعث إليهم أن الرسل قد كذبوا بالتخفيف) ( [40] ) .

ومن أهل العلم من اقتصر على هذا الوجه في تفسير قراءة التخفيف، وأعرض عن ذكر الوجه الأول الوارد عن ابن عبّاس بالكلية؛ منهم: ابن خالويه ومكي ابن أبي طالب في تفسيره وابن أبي زمنين والماوردي وابن الجوزي وأبي حفص النسفي والغزنوي وأبي البركات النسفي وابن جُزَي والجلالين والعليمي وغيرهم ( [41] ) .

وهذا الوجه احتاج أصحابُه إلى تعليل الاختلاف في مرجع الضمائر، وهو ما لم يُحتَج إليه في التفسير الأول الوارد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.

قال أبو علي الفارسي: (فإن قلت: كيف يجوز أن يُحمَل الضمير في (ظنُّوا) على أنه للمرسل إليهم الرسل، والذي تقدم ذكرهم الرسل دون المرسل إليهم؟

قيل: إن ذلك لا يمتنع، لأن ذكرَ الرسُل، يدلُّ على المرسل إليهم، لمقارنة أحد الاسمين للآخر، ولما في لفظ الرسل من الدلالة على المرسل إليهم، وقد قال الشاعر:

أمِنْكَ البرقُ أرقُبُه فهاجَا … فبتُّ إخَالُه دُهْمًا خِلاجًا

أي: بتُّ أخال الرعد صوت دُهْم، فأضمر الرعد ولم يَجْر له ذكر، لدلالة البرق عليه لمقارنة لفظ كلّ واحد منهما الآخر. وفي التنزيل: ‌(سَرَٰبِيلَ ‌تَقِيكُمُ ‌ٱلۡحَرَّ) (النحل: 81) واستغني عن ذكر البرد، لدلالة الحرّ عليه.

وإن شئت قلت: إنّ ذكرهم قد جرى في قوله: (‌أَفَلَمۡ ‌يَسِيرُواْ ‌فِي ‌ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ) (يوسف: 109)، فيكون الضمير للذين من قبلهم من مكذبي الرسل) ( [42] ) .

ثانيًا: استدراك عائشة رضي الله عنها على ابن عبّاس رضي الله عنهما:

اشتهرت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها استدراكات على علماء الصحابة رضي الله عنهم ( [43] ) ، ومن تلك الاستدراكات ما جاء عنها في ردّها على ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية.

وسيكون البحث أولًا بإيراد نصّ كلامها، ثم بيان مستندها، والنظر في ما نُسِب إليها من إنكار القراءة المتواتر، ثم ذكر من وافقها من أهل العلم بالتفسير والقراءات على استدراكها.

نص كلام عائشة رضي الله عنها كما رواه عروة بن الزبير:

الصفحة السابقة الصفحة التالية