كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
جرى بين الإمام المفسر ابن جريج الذي روى الخبر آنف الذكر عن ابن عبّاس رضي الله عنهما واعتمدَه وقال به وبين التابعي الجليل عروة بن الزبير مباحثةٌ بشأن هذا التفسير، وقد نقل عروة لابن جريج ما أخبرته به خالتُه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها من استدراك على كلام ابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن جريج بعد كلامه آنف الذكر: فلقيتُ عُروَة بن الزبير فذكرتُ له ذلك، فقال: قالت عائشة: معاذ الله! والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم، فكانت تقرؤها: (وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا) مثقلة ( [44] ) .
وعن ابن شهاب عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قوله: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا) أو (كُذِبُواْ)؟ قالت: بل كذَّبَهم قومُهم. فقلت: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن. فقالت: يا عُرَيَّة! ( [45] ) لقد استيقنوا بذلك. قلت: فلعلها أو (كُذِبُوا)؟ قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. وأما هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعهم كَذَّبُوهم جاءهم نصر الله ( [46] ) .
فمُستَنَد عائشة رضي الله عنها في نفي تأويل ابن عبّاس رضي الله عنهما تنزيهُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويؤيد ذلك قولها: (معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ). قال الإمام مكي ابن أبي طالب القيسي: (تريد أن الرسل لا تشكّ في وعد الله ووعيده) ( [47] ) .
قال العلامة نجم الدين الطوفي: (وقد أنكرت عائشة رضي الله عنها هذا التأويل تنزيهًا للأنبياء عن الشك في أمرهم ) ( [48] ) .
هل أنكرت عائشة رضي الله عنها القراءة المتواترة؟ وتوجيه ذلك:
إن إنكار عائشة رضي الله عنها لتأويل ابن عبّاس رضي الله عنهما ظاهرٌ جليٌّ في كلامها وجوابها لعروة، لكن هل كان في كلامها إنكارٌ أيضًا للقراءة المخففة وإن فُسِّرت بوجهٍ آخر؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فعائشةُ جعلت استيئَاس الرسل من الكفار المكذبين، وظنهم التكذيب من المؤمنين بهم، ولكن القراءة الأخرى ثابتة لا يمكن إنكارها ) ( [49] ) . وكلام ابن تيمية يفيد أن عائشة رضي الله عنه أنكرت هذه القراءة.
وقال الحافظ ابن حجر في تعليقه على قول عائشة رضي الله عنها: (معاذ الله!) المتقدّم في جواب عروة: (وهذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف، بناءً على أن الضمير للرسل، وليس الضمير للرسل على ما بينته ( [50] ) ، ولا لإنكار القراءة بذلك معنى بعد ثبوتها، ولعلها لم يبلغها ممن يرجع إليه في ذلك.
وقد قرأها بالتخفيف أئمة الكوفة من القراء عاصم ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي، ووافقهم من الحجازيين أبو جعفر بن القعقاع، وهي قراءة بن مسعود وبن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي في آخرين.
وقال الكرماني: لم تنكر عائشة القراءة، وإنما أنكرت تأويل ابن عباس. كذا قال، وهو خلاف الظاهر) ( [51] ) .
وقد اعتَذَرَ ابن عاشور لعائشة رضي الله عنها أيضًا بنحو اعتذار ابن حجر فقال: (ولم تكن عائشة قد بلغتها رواية (كذبُوا) بالتخفيف) ( [52] ) .
ولا تلازم بين قراءة التخفيف وبين تأويل ابن عبّاس رضي الله عنهما، فقد تقدّم أن لقراءة التخفيف ثلاثة أوجه:
الأول: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظَنَّت الرسل أنهم قد كُذِبوا فيما وُعِدُوا من النصر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما الذي أنكرته عائشة رضي الله عنها.
الثاني: ظن القوم أنهم -أي: القوم- كُذِبوا، أي: كَذَبهم الرسل فيما أخبروهم به من نصر الله لهم وإهلاك أعدائهم، وهو القول الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدّم بيانه.
الثالث: ظن الرسل -أي: أيقنوا- أنهم: أي الرسل، كُذِبوا: كَذَبهم مَن وعدهم من قومهم أن يؤمن بهم، أو ظن الرسل أنهم يكذبهم من آمن بهم أيضًا؛ يرتدّ عن دينهم لاستبطاء النصر، وهو قول بعض المفسرين.
فإبطال قول ابن عباس رضي الله عنهما الأول لا يلزم منه ردّ قراءة التخفيف؛ لجواز قبولها وحملها على أحد الوجهين الثاني أو الثالث، وهذا مأخذ الكرماني في قوله: (لم تنكر عائشة القراءة، وإنما أنكرت تأويل ابن عباس).
مَن وافق عائشة رضي الله عنها على منع تأويل ابن عبّاس رضي الله عنهما:
وافق جمع من أهل العلم عائشة رضي الله عنها في إنكارها تأويل ابن عباس رضي الله عنهما.
قال ابن قتيبة: (قد تكلم المفسرون في هذه الآية بما فيه مقنع وغَنَاء عن أن يوضّح بغير لفظهم).
وذكر الأقوال في تفسير الآية، ومنها قول ابن عبّاس رضي الله عنهما، ثم قال: (وهذه مذاهب مختلفة، والألفاظ تحتملها كلّها، ولا نعلم ما أراد الله عز وجل، غير أنّ أحسنها في الظاهر، وأولاها بأنبياء الله صلوات الله عليهم، ما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها) ( [53] ) .
وقال أبو إسحاق الزجاج: (وقد قال بعضهم وظنوا أنهم قد أخْلِفوا أي: ظن الرسُلُ، وذلك بعيدُ في صفة الرسل. يروى عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوعد شيئًا أخْلِفَ فيه، وفي الخبر: ومعاذ الله أن يظن الرسل هذا بربها) ( [54] ) .
وقال الطبري بعد ذكر تأويل ابن عبّاس: (وهذا تأويل، وقول غيره من أهل التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافُه من القولِ أشبه بصفات الأنبياء.
والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم، ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم، فيعذروا في ذلك أن المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفى أمره.
وقد ذُكِر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النكرة فيما ذُكِر لنا) ( [55] ) .
ولذلك قال ابن كثير: (وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير) ( [56] ) .