كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
وقال أبو القاسم الكرماني بعد أن أورد ما نقله ابن قتيبة عن ابن عبّاس رضي الله عنهما: (وما ذكره القُتبِيُّ في جماعةٍ في تأويل هذه الآية فبَعِيد، لا نعتَقَدُ مثله في الأنبياء والمرسلين) ( [57] ) .
وقال أبو محمد ابن عطية بعد ذكره تأويل ابن عباس رضي الله عنهما: (وردَّتْ هذا التأويلَ عائشةُ أم المؤمنين وجماعة من أهل العلم، وأعظموا أن توصف الرسل بهذا.. وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟! ) ( [58] ) .
وقال القاضي عياض: (فإن قيل: فما معنى قوله: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) على قراءة التخفيف؟
قلنا: المعنى في ذلك ما قالته عائشة رضي الله عنها: معاذ الله أن تظن ذلك الرسل بربها، وإنما معنى ذلك: أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من أتباعهم كذبوهم. وعلى هذا أكثر المفسرين.
وقيل: إن ضمير (ظنوا) عائد على الأتباع والأمم، لا على الأنبياء والرسل، وهو قول ابن عباس والنخعي وابن جبير وجماعة من العلماء.
وبهذا المعنى قرأ مجاهد: (كَذَبُوا) بالفتح، فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء، فكيف بالأنبياء؟!) ( [59] ) .
وقال فخر الدين الرازي في بيان الأوجه المحتملة لقراءة التخفيف: (والوجه الثاني: أن يكون المعنى: أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا، وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قالوا: وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية.
إلا أنه بعيد؛ لأن المؤمن لا يجوز أن يظن بالله الكذب، بل يخرج بذلك عن الإيمان، فكيف يجوز مثله على الرسل؟!).
ثم قال في بيان الأوجه المحتملة لقراءة التشديد: (والثاني: أن يكون الظن بمعنى الحسبان، والتقدير: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم، وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها، وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية) ( [60] ) . ثم ذكر الرازي نصّ رواية عائشة رضي الله عنها، وقال: ( وهذا الرد والتأويل في غاية الحُسن من عائشة) ( [61] ) .
وقال السُّمَين الحلبي بعد أن ذكر تأويل ابن عبّاس: (وهذا لا ينبغي أن يصحَّ عن هؤلاء، فإنها عبارة غليظة على الأنبياء، وحاشا الأنبياء من ذلك، ولذلك ردَّت عائشة وجماعة كثيرة هذا التأويل، وأعظموا أن ينسبوا الأنبياء إلى شيء من ذلك ) ( [62] ) . وقد تقدم أن إنكار الحلبي إنما بناه على اعتقاده أن الظن في الآية المراد به المعنى الاصطلاحي.
وموافقة من وافق عائشة رضي الله عنها من أهل العلم على إنكار تأويل ابن عباس رضي الله عنهما ليس فيها إنكار منهم لقراءة التخفيف، فإنه لا تلازم بين الأمرين كما تقدم.
وأحسن ما يُحمَل عليه إنكار عائشة رضي الله عنها ما ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: (ويُحمَل إنكارُ عائشة على ظاهر مساقهم من إطلاق المنقول عنه) ( [63] ) .
ثالثًا: توجيه العلماء لتفسير ابن عبّاس رضي الله عنهما :
إنِ احتجّ محتجٌّ بقول ابن عباس رضي الله عنهما على الطعن في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعصمتهم، وتجاوزِ ما يليق بمنصبهم من الكمال في الاعتقادات والأعمال القلبية، فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: الرِّيبة إنَّما تنْصَرِفُ إلى الوسائط التي هي مُقدِّمَاتُ الوَحْي، لا إلى نَفْسِ الوَحْي:
وجّه الإمام أبو سليمان الخطابي كلام ابن عبّاس رضي الله عنهما، وحمَلَه على ما لا يُنافِي عصمة الأنبياء، وبين أن الرِّيبة إنَّما تنْصَرِفُ إلى الوسائط التي هي مُقدِّمَاتُ الوَحْي، لا إلى نَفْسِ الوَحْي، فقال: (فإنْ قيل: فما وَجْهُ ما ذَهَبَ إليه ابنُ عبَّاس من تأويل الآية، وقولُه: ذَهَبَ بها هنالك؟
قيل: أمَّا الذي لاَ يُشَكُّ فيه من مذهبه أنَّه لم يُجَوِّزْ على الرُّسُل -صَلَواتُ اللهِ عليهم- أن يَكْذِبُوا بالوحي الذي يأتيهم من قبل اللهِ، وأنْ يَشُكُّوا في صِدْقِ الخَبَرِ عنه أو يَرْتَابُوا بالوعد فيه.
ولكنَّه قد يُحتَمل أن يُقالُ: إنَّهم عند تَطَاوُلِ مُدَّةِ البلاء عليهم، وإبْطَاءِ نَجْزِ العِدَةِ عنهم، وشِدَّةِ مُطالَبَةِ القوم إيَّاهم بما كانوا يَعدُونهم من النُّصْرَةِ، دَخَلَتْهم الرِّيَبةُ، حتَّى تَوَهَّمُوا أنَّ الذي جَاءَهم من الوَحْي لعلَّه كان حُسْبَانًا منهم وَوَهْمًا، فارتابُوا بأنفسهم، وظَنُّوا عليها الغَلَطَ في تَلَقِّي مَا وَرَدَ عليهم من القول.
فيكون معنى الكذب في هذا مُتَأَوَّلًا على الغَلَط، كقول القائل لصاحبه: كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ. وكقولك: كَذَبَ سَمْعي، وكَذَبَ بَصَري. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي وَصَفَ له العَسَلَ: « صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخيكَ» .
وقد كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ مَا بُدِئَ بالوحي يرتَابُ بنفسه، ويُشْفِقُ أن يكونَ الذي يَتَرَاءَاهُ أَمْرًا غيرَ مَوْثوقٍ به، إلى أن ثَبَّتَ اللهُ قلبَه، وسَكَنَ بذلك جَأْشُه، وشَرَحَ به صَدْرَهُ، فانْزَاح عنه الريبُ، وَخَلَفَهُ اليقينُ.
ومَرْجِعُ الأمر في هذا الباب أنَّ الذي عرضَ من الرِّيبة إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الوسائط التي هي مُقدِّمَاتُ الوَحْي، لا إلى نَفْسِ الوَحْي وأَصْلِه بعدَ حُصُولِ العلم به، واللهُ أعلم) ( [64] ) .
وقريب مما ذكره الخطابي هنا ما أجاب به الطوفيُّ عن استدراك عائشة رضي الله عنها على ابن عبّاس رضي الله عنهما بقوله: (الإنسان يطرأُ عليه لخوفٍ أو حُزنٍ أو مرضٍ أو هَمٍّ وغَمٍّ أحوال يقول ويظن فيها أقوالًا وظنونًا هو فيها معذور؛ لغلبة ذلك الحال. ألا ترى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما تراخى عنه الوحي في مبادئ أمره خرج ليتردى من شواهق الجبال وَجْدًا لانقطاع الوحي؟!
والرسل يوم القيامة يقال لهم: ماذا أجبتم؟ فيقولون: (لَا عِلۡمَ لَنَا) (المائدة: 109)، ينسَون أو يدهشون لغلبة تلك الحال عليهم، ثم يتذكرون فيشهدون بما علموا. فكذا ظنُّ الرسل هاهنا أنهم قد كذبوا هو من هذا الباب، والله عز وجل أعلم بالصواب) ( [65] ) .