كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
تنبيه: قال المقريزي مُتَعَقِّبًا كلام الطوفي: (هذه -لعمري- وهلة من وهلات الطوفي، إذ سَوَّى الرُّسُل بسائر البشر في غلبة الحال عليهم، حتى باللَّه يظنوا السوء! وقد عصمهم اللَّه من ذلك ومما دونه أيضًا) ( [66] ) .
وفي تعقّبه نظر، فإن الطوفي لم يقل قط: إن الرسل ظنوا بالله ظنَّ السوء، وإنما قال: (ويظن فيها أقوالًا وظنونًا هو فيها معذور)، وهذا لا يقال في ظن السوء الذي هو من كبائر الذنوب بل قد يكون كفرًا، قال الله تعالى: (إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ) (يوسف: 87).
ولا يخفى أن من الخواطر التي تعرض للقلوب ما يُعفَى عنه في الشريعة، ولا يدخل تحت التكليف، فيكونون بها معذورون، وهذا ما قصده الطوفي، وليس هذا من باب ظن السوء بالله تعالى في شيء، فإن إساءة الظن بالله تعالى معدودة في الكبائر، وقد نصّ على ذلك علماء الحنابلة ( [67] ) ، والأنبياء عليهم السلام منزّهون عن فعل الكبائر بعد النبوة، وهذا ما قرره الطوفي في معتقده حيث قال: (والمختار أن الأنبياء معصومون من الكبائر عمدًا وسهوًا) ( [68] ) .
وأما تسويتهم عليهم السلام بالبشر في هذا المقام فإن إمام الطوفي فيها ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال: (كانوا بشرًا)، وسعيد بن جبير حين قال: (ألم يكونوا بشرًا؟!).
وقد بالغ المقريزي في ردّه على الطوفي، ونزّل عليه كلام ابن حزمٍ الذي تقدّم في أول البحث وفيه تكفيرٌ، وكذا كلام القاضي عياض، قال المقريزي: (تحذير القاضي عياض وابن حزم من قبله إنما هو مما ذكره الطوفي، فإنه وإن كان بعدهما بدهر حكى كلام من في عقده وهن، ومال إليه) ( [69] ) .
وهذا من المقريزي تحامل ظاهر على الطوفي، فإن ابن حزم إنما أنكر على من نسب إلى الأنبياء اعتقاد أن الله تعالى يكذب، وكفّره بذلك قال: (ومن المحال البين أن يدخل في عقل من له أدنى رمق أن الله تعالى يكذب، فكيف بصفوة الله تعالى من خلقه وأتمهم علمًا وأعرفهم بالله عز وجل؟!) ( [70] ) . وكلام الطوفي ليس فيه نسبة ذلك للأنبياء لا من جهة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام.
وأما القاضي عياض فإنه قال: (فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء، فكيف بالأنبياء؟!) ( [71] ) .
ولم يعدَّ القاضي عياض تفسير الطوفي أو نحوه من ذلك الشاذ، ولو فرضنا أنه يعدُّه كذلك فإن الاختلاف في ما يجوز على الأنبياء وما لا يجوز ليس كله مجمعًا عليه، بل منه ما هو اجتهادي، والاحتجاج لكل قولٍ إنما يكون بالحجة، لا بنفس القول.
الوجه الثاني: ثبوت الفرق بين لفظ الظن في خطاب الكتاب والسنة وبين لفظ الظن في الاصطلاح الحادث:
الظن عند المتأخرين هو الاحتمال الراجح، أو ترجُّح أحد الجائزين على الآخر، كما قال ابن عاصم:
والشَّكُّ ما كان من الإدراكِ … محتملًا أَمرَين باشتراكِ
والظنُّ ما كان له الترجيحُ … في ذاك والوهم هو المرجوحُ
وقد ذكر ابن عادل والكوراني أن إنكار عائشة رضي الله عنها هذا التأويل وعدَّها له مخالفًا لتنزيه الأنبياء هو بناء على أن الظَّن على بابه وظاهره ( [72] ) .
والقول بأن عائشة رضي الله عنها حملت كلام ابن عبّاس على هذا الاصطلاح الحادث فيه نظر، فإن الظنّ بهذا المعنى اصطلاح منطقي متأخر، فكيف يقال: إن عائشة رضي الله عنها حملت كلام ابن عبّاس عليه؟! وإنما يُحمل كلام السلف على معهودهم في الخطاب.
فالقول بأن من أنكر تأويل ابن عباس رضي الله عنهما لهذا السبب قد يصح بشأن غير عائشة رضي الله عنها من المفسرين المتأخرين، ممن يحمل ألفاظ السلف على المصطلحات الحادثة، فليس من شرط استشهادهم بعائشة رضي الله عنها اتحاد المأخذ.
وقد أوضح ابنُ تيمية في دفاعه عن أثر ابن عبّاس رضي الله عنهما أن الظنّ هنا لا يراد به هذا المعنى، كما تقدّم، وكذا فعل الزمخشري.
قال ابن تيمية: (والظنُّ لا يُرَاد به في الكتاب والسنة الاعتقادُ الراجح، كما هو في اصطلاح طائفة من أهل الكلام في العلم، ويُسمُّون الاعتقاد المرجوح وهمًا) ( [73] ) .
وقال: (قوله: (وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ) لا يدل على ظاهره فضلًا عن باطنه أنه حصل في قلوبهم مثلُ تساوي الطرفين فيما أخبروا به، فإن لفظ الظن في اللغة لا يقتضي ذلك؛ بل يُسمى ظنًّا ما هو من أكذب الحديث عن الظان؛ لكونه أمرًا مرجوحًا في نفسه) ( [74] ) .
وقال الزمخشري: (وأمّا الظَّنُّ الذي هو ترجُّح أحدِ الجائزين على الآخر فغيرُ جائزٍ على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم، وأنه متعال عن خلف الميعاد، منزه عن كل قبيح؟!) ( [75] ) .
تنبيه : قول أبي حيان رحمه الله مُعلِّقًا على كلام الزمخشري: (وآخره مذهب الاعتزال) ( [76] ) : بناه على مذهب الأشعرية في نفي التحسين والتقبيح العقليين، ومذهب أهل السنة وسط بين مذهبهم ومذهب المعتزلة، وليس هذا موضع التفصيل في ذلك.
الوجه الثالث: جواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء، لكنهم لا يُقَرُّون عليه:
قال ابن تيمية: (وأيضًا: فقوله: (وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ) قد يكونون ظنوا في الموعود به ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم، فتبيَّن الأمر بخلافه، فهذا جائز عليهم كما سنبينه، فإذا ظن بالموعود به ما ليس هو فيه، ثم تبين الأمر بخلافه؛ ظن أن ذلك كذب، وكان كذبًا من جهة ظنٍّ في الخبر ما لا يجب أن يكون فيه، فأما الشك فيما يَعلَمُ أنه أُخبِر به فهذا لا يكون) ( [77] ) .
وقد فصل ذلك ابن تيمية في جوابه في هذه المسألة عند كلامه عن لفظ الاستيئاس الوارد في الآية.