شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

قال رحمه الله: (فإذا كان الخبر عن استيئاسهم مُطلقًا فمن المعلوم أن الله إذا وعد الرسل والمؤمنين بنصرٍ مُطلق -كما هو غالب إخباراته- لم يُقَيَّد ‌زمانُه ‌ولا ‌مكانه، ولا سَنَتُه ولا صفتُه، فكثيرًا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحق، بل اعتقدوها بأسباب أخرى، كما اعتقد طائفة من الصحابة إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنهم يدخلون المسجد الحرام ويطوفون به أن ذلك يكون عام الحديبية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مُعتمرًا، ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى، فلما استيأسوا من دخوله مكة ذلك العام -لما صدهم المشركون حتى قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح المشهور- بقي في قلب بعضهم شيء) ( [78] ) .

وهذا التفسير يرجع إلى أن الأنبياء يجوز عليهم الخطأ في الاجتهاد، سواء في الأخبار -كما في هذه الآية- أو في الأوامر، لكن لا يُقرُّون عليه، قال الشيخ: (والذي عليه جمهور أهل الحديث والفقه أنه ‌يجوز ‌عليهم ‌الخطأ في الاجتهاد؛ لكن لا يُقرّون عليه، وإذا كان في الأمر والنهي فكيف في الخبر؟!) ( [79] ) ، وقال: (فإذا كان من الجائز ‌في ‌باب ‌الأمر ‌والنهي أن يظنوا شيئًا، ثم يتبين الأمر لهم بخلافه؛ فلأن يجوز ذلك في باب الوعد والوعيد بطريق الأولى والأحرى) ( [80] ) .

وقريب مما قَرَّرَه الشيخ هنا قول الزمخشري في تفسير الآية: (أي: كَذَبَتهُم أنفُسُهم حين حدَّثَتهم بأنهم يُنصَرون، أو رجاؤُهم لقولهم: رجاء صادق، ورجاء كاذب.

والمعنى: أنَّ مُدَّة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت، حتى استشعَرُوا القنوط، وتوهَّمُوا أن لا نصر لهم في الدنيا ، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب) ( [81] ) .

فهذا التوهّم الذي ذكره الزمخشري هو الخطأ في الاجتهاد الذي ذكره ابن تيمية، والله أعلم.

وتَبِعَ البيضاويُّ الزمخشريَّ فقال: (أي: كذبتهم أنفسهم حين حدَّثَتهم بأنهم ينصرون) ( [82] ) .

وذكر ابن حجر تفسيرَ الزمخشري في الاحتمالات الواردة في تفسير الآية فقال: (أو الضمائر للرسل، والمعنى يَئِس الرُّسُل من النصر، ‌وتوهموا ‌أن ‌أنفُسَهم كذبَتْهم حين حدثتهم بقرب النصر، أو كذبهم رجاؤهم) ( [83] ) .

وقال الشوكاني: (وقيل: المعنى: وظن الرسل أنها قد كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون عليهم، أو كذبهم رجاؤهم للنصر) ( [84] ) . وهو حاصل ما ذكره الزمخشري أيضًا.

وتبع الزمخشريَّ أيضًا أبو السعود في تفسيره، فنقل كلامه بألفاظه ( [85] ) .

وقال أحمد بن إسماعيل الكوراني في تفسيره: ((وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ) بتخفيف الذال قراءة الكوفيين، والمعنى: ظنّ الرسل أن أنفسهم كذبتهم في تقدير النصر، ولم يكن لهم وعدٌ بالنصر في تلك الواقعة من الله تعالى ) ( [86] ) .

والكوراني تبعٌ للزمخشري في ما قاله، وقوله: ( في تلك الواقعة ) قيدٌ مهمٌّ لم يذكره الزمخشري، وبه يكون توجيه الكلام بنحو ما ذكره ابن تيمية.

وقال الحكيم الترمذي: (وجهُهُ أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر أن يتخلف النصر، لا من تهمةٍ بوعد الله، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثًا ينقض ذلك الشرط، فكان الأمر إذا طال واشتدَّ البلاء عليهم دخلهم الظن من هذه الجهة) ( [87] ) .

وكلام الحكيم الترمذي أيضًا فيه أن الأمر راجعٌ إلى خطأ في الاجتهاد، لكن كلامه يشبه أن يكون متعلقًا بخطأ في الاجتهاد في تحقيق المناط، وكلام ابن تيمية متعلق بخطأ في الاجتهاد في تنقيح المناط.

الوجه الرابع: ثبوت التفاضل في أعمال القلوب عند أهل السنة والجماعة:

قال مكي بن أبي طالب القيسي: (واستشهد ابن عبّاس على ذلك بقول إبراهيم: (وَلَٰكِن ‌لِّيَطۡمَئِنَّ ‌قَلۡبِي) (البقرة: 260)، وبقول نوح: (‌إِنَّ ‌ٱبۡنِي ‌مِنۡ ‌أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ) (هود: 45)، قال ابن عبّاس: كانوا بشرًا، يعتريهم ما يعتري البشر من الشك، وقد قال عزير: (‌أَنَّىٰ ‌يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَا) (البقرة: 260)، فاستبعد إحياء الله لبيت المقدس بعد خرابها) ( [88] ) .

وقال ابن تيمية: (ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنًا كما أخبر الله عنه بقوله: (‌أَوَلَمۡ ‌تُؤۡمِنۖ ‌قَالَ ‌بَلَىٰ) ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال: (وَلَٰكِن ‌لِّيَطۡمَئِنَّ ‌قَلۡبِي).

فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم شكًّا لذلك بإحياء الموتى.

كذلك الوعد بالنصر في الدنيا، يكونُ الشَّخصُ مُؤمِنًا بذلك، ولكن قد يضطربُ قلبُه، فلا يطمَئِنُّ، فيكون فوات الاطمئنان ظنًّا أنه قد كذب، فالشكُّ مظنة أنه يكون من باب واحد) ( [89] ) .

فهذا التقرير ينبني على أن ضعف اليقين الذي قد يُطلَق عليه اسمُ الريب أو الشك لا ينحصر فقط في تضعف التصديق، وإنما ققد يكون بسبب ضعف أعمال القلوب.

قال ابن تيمية: (واسم اليقين والريب والشك ونحوها يتناول علم القلب وعمله، وتصديقه وعدم تصديقه، وسكينته وعدم سكينته، ليست هذه الأمور بمجرد العلم فقط، كما يحسب ذلك بعض الناس، كما نبهنا عليه في غير هذا الموضع) ( [90] ) .

وقد بين ابن تيمية أن تلك العوارض التي تعرض للقلب على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: ما هو ذنب يَضعُف به الإيمان، ‌وإن ‌كان ‌لا ‌يزيله.

قال ابن تيمية: (وهذه الأمور لا تَقدَح في الإيمان الواجب، ‌وإن ‌كان ‌فيها ‌ما ‌هو ‌ذنبٌ؛ فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك، كما في أفعالهم على ما عُرِف من أصول السنة والحديث) ( [91] ) .

وقد تقدم قول الكوراني في أوجه تفسير قراءة التخفيف: (أو الظن مجازٌ عن الهواجس التي يذهب بها نور الإيمان، وهذا تأويل قول ابن عبّاس على ما رواه عنه البخاري) ( [92] ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية