شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

وتجويز مثل تلك الخواطر إذا كانت ذنوبًا ينبني على تجويز الصغائر على الأنبياء، كما هو مذهب الجمهور، ولا يلزم منه نسبة الكبائر للأنبياء، كما ألزم الآلوسي صاحب (روح المعاني) ابنَ تيمية بذلك حيث قال: (ولا يخفى أن ما ذكره مستلزم لجواز وقوع الكبائر من الأنبياء عليهم السلام وحاشاهم من غير أن يقروا على ذلك)، ثم شنع على قائله بقوله: (والقول به جهل عظيم ولا يقدم عليه ‌ذو ‌قلب ‌سليم!) ( [93] ) .

وما يناقض الإيمان الواجب لا ينحصر بالكبائر، ومراد ابن تيمية في كلامه هنا الصغائر دون الكبائر، فإنه قد صرَّح بعدم تجويز الكبائر على الأنبياء، فلا يصح حمل كلامه على غير مراده، ومراده إنما يتبين بالنظر في مجموع نصوصِه.

قال رحمه الله: (وجُمهُور المسلمين على تنزيههم من الكبائر لا سيما الفواحش، وما ذكر الله تعالى عن نبيٍّ كبيرةً فضلًا عن الفاحشة، بل ذكر في قصة يوسف ما يُبيِّن أنه يصرف السوء والفحشاء عن عباده المخلصين، وإنما يُقتَدَى بهم فيما أُقِرُّوا عليه، ولم يُنهَوا عنه) ( [94] ) .

قال الآلوسي الابن في دفاعه عن شيخ الإسلام في هذه المسألة بعد أن ذكر كلام ابن تيمية فيها وقارنه بكلام غيره: (فقد تبين مما تقدم وتأخر أن الشيخ ابن تيمية لم يَقُل إلا ما حَرَّره كل أصوليّ وزبر، وما ابتدع قولًا من تلقاء نفسه، ولا ذكر في بحث العصمة شيئًا مُتَّبِعًا فيه لوهمه وحدسه، بل ذكر ما ذكرته الأفاضل، وفصل كما فصلت الأئمة الأوائل) ( [95] ) .

النوع الثاني مما يعرض من الوساوس: ما هو عفو يعفى عن صاحبه، وهذا يصلح أيضًا أن يكون مرادًا في تفسير ابن عبّاس رضي الله عنهما.

قال ‌أبو ‌نصر ‌القشيري في تفسيره في توجيه أثر ابن عباس رضي الله عنهما: (ولا يبعد أن المراد خطر بقلب الرسل، فصرفوه عن أنفسهم، أو المعنى: قربوا من الظن، كما يقال: بلغت المنزل إذا قربت منه) ( [96] ) .

وقال الآلوسي: (وكذا لا بأس في حمل كلام ابن عباس على أنه أراد بالظن فيه ما هو على طريق الوسوسة ومثالها من حديث النفس، فإن ذلك غير الوسوسة المنزه عنها الأنبياء عليهم السلام) ( [97] ) .

وقولُ الزمخشري في تفسيره: (فإن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظَّنِّ ما يَخطِر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية) ( [98] ) يحتمل النوعين الأول والثاني مما يعرض للقلوب من الخواطر والوساوس.

وقد حمل السمين الحلبي كلام الزمخشريِّ على النوع الأول فقط، وبناءً على ذلك تعقبه بقوله: (ولا يجوز أيضًا أن يقال: خَطَر ببالهم شبهُ الوسوسة؛ فإنَّ الوسوسة من الشيطان وهم مَعْصومون منه) ( [99] ) . والذي يظهر أن السمين الحلبي بنى تعقبه على مذهب من لا يُجوِّز الذنوب مطلقًا على الأنبياء: كبائرها وصغائرها.

وأما مع حمله على النوع الثاني فقط فإنه مقبول على مذهبي مجوِّزِي الصغائر ومانعيها، فعلى المذهبين: لا وجه لاعتراض السُّمَين، ولهذا قبل الآلوسي توجيه الزمخشري مع حمل كلامه على النوع الثاني من الوسوسة، والله تعالى أعلم.

وقد تبع البيضاوي الزمخشريَّ حيث يقول: (وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعدهم الله من النصر إن صح، فقد أراد بالظن ‌ما ‌يهجس في القلب على طريق الوسوسة) ( [100] ) .

أما النوع الثالث مما يعرض للقلوب: فما يقترن به صريح الإيمان، وهذا لا إشكال فيه إذا عرض للأنبياء فمن دونهم.

عن عبد الله بن مسعود قال: سئل النبي صَلى الله عَليه وسَلم عن الوسوسة، قال: «تلك محض الإيمان» ( [101] ) .

وعن علي بن عثام قال: أَتيت سعير بن الخمس أَسأَله عن حديث الوسوسة، فلم يحدثني، فأَدبرت أَبكي، ثم لقيني فقال: تعال، حدثنا مغيرة، عن إِبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: سألنا رسول الله صَلى الله عَليه وسَلم عن الرجل يجد الشيء، لو خر من السماء فتخطفه الطير كان أحبَّ إليه من أن يتكلم، قال: «ذاك صريح الإيمان» ( [102] ) .

الوجه الخامس: بيان الحكمة من صدور تلك الخواطر من الأنبياء:

بين ابن تيمية في ما قرره في هذه المسألة الحكمة من صدور تلك الخواطر من الأنبياء، وهي حث الأتباع على الاتساء والاقتداء.

قال رحمه الله: (وفي ‌قصِّ ‌هذه ‌الأمور عبرة للمؤمنين بهم، فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك، ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك، ويعلمون أنه قد ابتلي به من هو خير منهم، وكانت العاقبة إلى خير، فليتيقن المرتاب ويتوب المذنب ويقوى إيمان المؤمنين فبها يصح الاتساء بالأنبياء، كما في قوله: (‌لَّقَدۡ ‌كَانَ ‌لَكُمۡ ‌فِي ‌رَسُولِ ‌ٱللَّهِ ‌أُسۡوَةٌ ‌حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ) (الأحزاب: 21).

وفي القرآن من قصص المرسلين التي فيها تسلية وتثبيت ليتأسى بهم في الصبر على ما كذبوا وأوذوا، كما قال تعالى: (‌وَلَقَدۡ ‌كُذِّبَتۡ ‌رُسُلٌ ‌مِّن ‌قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَا) (الأنعام: 34) (…) ولنا؛ لأنه أسوة في ذلك ما هو كثير في القرآن، ولهذا قال: (‌لَقَدۡ ‌كَانَ ‌فِي ‌قَصَصِهِمۡ ‌عِبۡرَةٌ ‌لِّأُوْلِي ‌ٱلۡأَلۡبَٰبِ) (يوسف: 111)، وقال: (‌مَّا ‌يُقَالُ ‌لَكَ ‌إِلَّا ‌مَا ‌قَدۡ ‌قِيلَ ‌لِلرُّسُلِ ‌مِن ‌قَبۡلِكَ) (فصلت: 43)، وقال: (فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ‌ٱلۡعَزۡمِ ‌مِنَ ‌ٱلرُّسُلِ ‌وَلَا ‌تَسۡتَعۡجِل ‌لَّهُمۡ) (الأحقاف: 35)، (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ‌ٱلرُّسُلِ ‌مَا ‌نُثَبِّتُ ‌بِهِۦ ‌فُؤَادَكَ) (هود: 120).

وإذا كان الاتساء بهم مشروعًا في هذا وفي هذا، فمن المشروع التوبة من الذنب والثقة بوعد الله، وإن وقع في القلب ظن من الظنون، وطلب مزيد الآيات لطمأنينة القلوب، كما هو المناسب للاتساء والاقتداء، دون ما كان المتبوع معصومًا مطلقًا، فيقول التابع: أنا لست من جنسه فإنه لا يُذكر بذنب، فإذا أذنب استيأس من المتابعة والاقتداء، لما أتى به من الذنب الذي يفسد المتابعة على القول بالعصمة، بخلاف ما إذا قيل: إن ذلك مجبور بالتوبة فإنه تصح معه المتابعة كما قيل: أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم آدم أبو البشر، ومن أشبه أباه ما ظلم) ( [103] ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية