شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

خُلاصات واستنتاجات وتتمات :

قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: (وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ) بأن الرسل أُخلِفُوا، وبألفاظ أخرى قد تقدمت= ثابتٌ عنه، وقد وافقه عليه جمعٌ من السلف، منهم ابن مسعود وسعيد بن جبير وابن جريج، وأخطأ من أنكر نسبته إليه كابن الأنباري وأبي علي الفارسي والسمين الحلبي، أو توقف في ذلك كالزمخشري والبيضاوي.

المفسرون منهم من نقل قول ابن عباس رضي الله عنهما ووجَّهه كما فعل الزمخشري، ومنهم من نقله وضعفه كالطبري وأبي المظفر السمعاني، ومنهم من أعرض عن نقله بالكلية، وهذا صنيع كثيرين كالماوردي وابن الجوزي وغيرهما.

جاء عن ابن عبّاس رضي الله عنهما في تفسير الآية قولٌ آخر، وفيه إرجاع الضمير لغير الأنبياء، وهذا يحتاج إلى تعليلٍ لم يُحتَج إليه في التفسير الأول، وقد تقدم تعليل أبي علي الفارسي لذلك.

الآية على قراءة التخفيف تحتمل ثلاثة أوجه في تفسيرها كما تقدم، وجهان منها منقولان عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكل هذه الأوجه مقبولة؛ لأن الاختلاف بينها من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، غير أن سلوك مسلك الترجيح بينها محل اجتهادٍ.

الجواب عن إشكال الطاعنين بهذه الآية في عصمة الأنبياء لا يقتصر على ترجيح وجهٍ من الأوجه المذكورة في قراءة التخفيف؛ لأن نسبة الاستيآس للرسل محل طعن منهم أيضًا.

ثبت عن عائشة رضي الله عنها استدراكُهَا على ابن عبّاس رضي الله عنهما، واستحسن استدراكها ووافقها عليه كثيرٌ من العلماء من المتقدمين والمتأخرين، منهم ابن قتيبة والزجاج والطبري وابن عطية والقاضي عياض وأبو القاسم الكرماني والفخر الرازي، ومن عباراتهم في ذلك قول الفخر الرازي: (وهذا الرد والتأويل في غاية الحُسن من عائشة).

ليس من شرط موافقة عائشة رضي الله عنها في إنكار تأويل ابن عباس رضي الله عنهما اتحاد المأخذ، فإن تفسير الظن بمعنى الاحتمال الراجح المحتمل النقض هو اصطلاح متأخر.

ليس من شرط موافقة عائشة رضي الله عنها في إنكار تأويل ابن عباس رضي الله عنها موافقتها في إنكار قراءة التخفيف المتواترة، وإنكارها هو ظاهر كلامها رضي الله عنها كما قرره ابن حجر، وإن كان بعض العلماء كالكرماني لم يروا في كلامها إنكارًا لقراءة التخفيف.

محل النزاع بين من خالف ابن عباس رضي الله عنهما ومن أيده ليس هو في إنكار القراءة المتواترة؛ لأن أكثر من خالفه من المفسرين خالفوه دون التزام منهم لإنكار القراءة المتواترة، كالإمام الطبري.

مستند عائشة رضي الله عنها في إنكار قول ابن عباس رضي الله عنهما تنزيهُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بناء على ظاهر مساقهم من إطلاق المنقول عنه.

انتصر الإمام الطبري رحمه الله لرأي عائشة رضي الله عنها في تفسير الآية؛ لكونه الأشبه بصفات الأنبياء، وردّ تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، وقد استعمل هذه القرينة من قرائن الترجيح بين أقوال المفسرين، وهي الترجيح بكون القول أليق بعصمة الأنبياء، استعملها في مواضع أخرى من تفسيره، كرده قول من قال في تفسير قوله تعالى: (فَظَنَّ ‌أَن ‌لَّن ‌نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ) (الأنبياء: 87) بأنه: فظن أن يعجز ربه فلا يقدر عليه، رده الطبري أيضًا لمخالفته للعصمة ( [104] ) .

ليس في كلام ابن عباس رضي الله عنهما نسبةُ تكذيب وعد الله تعالى إلى الرسل، حاشاهم من ذلك، وحاشاه من أن يَنسِب ذلك إليهم، وغالب عبارات من أنكر نسبة هذا القول إلى ابن عباس رضي الله عنهما أو أنكره عليه أو جعله مرجوحًا في تفسير الآية تدور حول فهمهم من هذا الأثر هذا المعنى، أو قريبًا منه، ولا ريب أن نسبة هذا المعنى إلى الأنبياء لا تجوز، وأن من اعتقده يقال فيه ما قاله ابن حزمٍ، وقد تقدّم في أول البحث.

وَجَّه كثير من العلماء قول ابن عباس وبينوا محامله الصحيحة، منهم أبو سليمان الخطابي وأبو نصر القشيري والحكيم الترمذي والزمخشري وابن تيمية والطوفي، ولم يجعلوه مخالفًا للعصمة، بل منهم من صرح بكونه راجحًا على قول عائشة رضي الله عنها، كابن تيمية والطوفي.

التوجيهات التي ذكرها العلماء لقول ابن عباس رضي الله عنهما تسدّ الباب على الجهال الذين يستدلون بالآية على الطعن في الأنبياء عليهم السلام، وقد تقدم تقريرها.

من أسباب الاختلاف في قبول أثر ابن عبّاس رضي الله عنهما أو ردّه عند المتأخرين:

الاختلاف في حقيقة الإيمان، ودخول الأعمال فيه، وتفاضل أهله فيه.

الاختلاف في ما يجوز وما لا يجوز على الرسل صلوات الله عليهم، فقد غلا كثيرٌ من المتأخرين في هذا الباب ( [105] ) ، ونتج عن ذلك استطالة على المخالف، كما وجدناه في تعقّب المقريزي على الطوفي.

تفسير ألفاظ الوحي بالمصطلحات الحادثة، كتفسير الظن بالمعنى المنطقي، ثم الإنكار على ابن عباس رضي الله عنهما بناء على هذا، كما وقع في كلام السمين الحلبي.

لابن تيمية فصل مفرد انتصر فيه لقول ابن عباس رضي الله عنهما، وإنكار الآلوسي صاحب (روح المعاني) كلامه -مع أنه نسبه إلى جده المجد- غير متجه، فإن فيه إلزامًا لابن تيمية بما لا يلزمه من القول بتجويز الكبائر على الأنبياء، ولهذا لم يكن مقبولًا، فإنه لم يضم كلام ابن تيمية بعضه إلى بعض، ولعل عذره عدم القدرة في ذلك الوقت على الاطلاع الكافي على كلام ابن تيمية، والعلم عند الله.

من الاتهامات الباطلة التي نُسبت لشيخ الإسلام: إنكاره عصمة الأنبياء! وقد رد هذه التهمة النعمان الآلوسي في (جلاء العينين).

من المعاصرين الذين تابعوا ابن عباس رحمه الله في تفسيره: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وقد أنكر بعض الغلاة قوله فقَال: (هذه المقالة في حق الرسل طامة نسأل الله تعالى أن يغفرها للشيخ… فينبغي تنزيه الرسل عن مثل هذا التأويل كما فعل المحققون من أهل التفسير والحديث والفتوى في القديم والحديث)، ثم استدل بكلام الطبري، وهذا من الجهل بكلام المفسرين وأهل العلم من وجهين: الأول: أنه ليس ثمة إجماعٌ على ردّ قول ابن عبّاس رضي الله عنهما. والثاني: أن الطبري رحمه الله جعل قول عائشة رضي الله عنها الأشبه بصفات الأنبياء، ولم يجعله طامَّةً.

الصفحة السابقة الصفحة التالية