شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كيفَ نُثبِّتُ السُّنة النبويَّة ونحتَجُّ بها وَقَد تأخَّر تدوِينُها؟!

مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف

مما يجدر التنبيهُ إليه أن التدوين الرسميَّ للسنة النبوية في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمّا رأى انقراض جيل الصحابة لا ينافي أن تكون الكتابة قد وقعَت قبل ذلك، وإنما هو انتقال من مرحلة في التدوين إلى مرحلة أخرى أوسعَ وأكثر شمولًا وتنظيمًا.

قال الإمام مالك: أخبرنا يحيى بن سعيد أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم: (أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سنته، أو حديث عمر أو نحو هذا، فاكتبه لي؛ فإني قد خفت دروس العلم وذهاب العلماء) ( [16] ) .

يقول الناظم في شأن التدوين الرسميّ للسنة النبوية على رأس المئة:

وبعدَ أن جاءَ الفتى المَرواني … الراشِدُ الْمُسَدَّدُ الرباني

شَاورَ أهلَ العلمِ في تَدوينِ … سُنَّةِ مَنْ قدْ جاءنا بالدِّينِ

صلَّى وسلم عليه مَنْ ختمْ … بهِ جميعَ الرسلِ والوحيَ أتمْ

وكانَ ذا الأمرُ علَى رأسِ المئهْ … يُعينُهُ في ذلِكُم خيرُ فِئهْ

من تابعي أصحابِ خيرِ الرسلِ … مثلِ أبي بكرِ بن حَزمٍ الوَلِي

وابنِ شهابٍ وكذاكَ قَاسِمُ … وغيرُهُم تحدُوهمُ العزائمُ

فأجمعوا على كتابةِ السُّنَنْ … حِفْظًا لها مِنَ العَوَادِي والْمِحَنْ

وقيلَ: إنَّ ابنَ شهابٍ سَبَقا … سِوَاهُ لا غَروَ يكونُ الأسبقا

وأصْبَحتْ مجالسُ التحديثِ … تَزْخَرُ بالتَّدوينِ للحديثِ

وازدحمتْ بِرُزَمِ الدَّفَاتِرِ … تَزْدانُ بالأقلامِ والمحابِرِ ( [17] )

وقد أثار أعداء السنة شبهاتٍ حول تدوين عمر بن عبد العزيز للسنة، منها زعمهم أن ذلك كان بأمر الأمراء، وهذا قول عجيب، فإن جمع القرآن إنما كان بأمر الأمراء: أبي بكر وعمر وعثمان. فإن قيل: هم أمراء المؤمنين وأئمة في العلم وأئمة في التقوى، قلنا: فعمر بن عبد العزيز كذلك في هذا كله، وهو الآمر بالتدوين، وتبعه الخلفاء بعده ( [18] ) .

وتلا هذه المرحلةَ مرحلةُ ظهور المصنّفات، قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: (ما نعرف كتابًا في الإسلام بعد كتاب الله أكثر صوابا من موطأ مالك) ( [19] ) .

ويتَّضح وجود الكتابة والتدوين قبل ظهور المصنّفات -كموطأ الإمام مالك، والصحيحين والسنن، وغيرها- بل قبل التدوين الرسمي للسنة النبوية في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بجملة من الأمور:

الأمر الأول: لم يكن ثمّة مانع شرعي يمنع المسلمين في الأجيال الأولى من كتابة السنة النبوية:

فإن منهج أهل العلم في التلقّي والاستدلال يقتضي النظرَ في جميع الروايات الواردةِ في هذا الباب، وهي نوعان:

الرواياتُ الناهية عن كتابة الأحاديث؛ وأصح ما جاء فيها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَكتُبوا عنِّي، ومَن كَتب عنِّي غيرَ القرآن فليَمْحُهْ» أخرجه مسلم ( [20] ) .

والروايات المُبيحة لذلك، كحديث: «اكتُبوا لأبي شاهٍ» متفق عليه ( [21] ) ، ومنه ما جاء في السنن من خبر إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو على الكتابة، فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: كنتُ أَكتُبُ كلَّ شيءٍ أَسمَعُهُ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُرِيدُ حِفْظَهُ، فنَهَتْنِي قُرَيشٌ وقالوا: أَتكتُبُ كلَّ شيءٍ تَسمَعُهُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَشَرٌ يَتكلَّمُ في الغضبِ والرِّضا؟! فأَمسَكْتُ عن الكِتابِ، فذَكَرْتُ ذلكَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأَوْمأَ بأُصبُعِهِ إلى فيه، فقال: «اكتُبْ؛ فوالَّذي نفْسي بيدِهِ، ما يَخْرُجُ منه إلَّا حقٌّ» ( [22] ) .

وقد تعدَّدت مسالكُ أهل العلم في التعامل مع هذه الروايات:

فمنهم مَن ذهب إلى ترجيح الروايات المرخِّصة في الكتابة؛ لكونِها أكثرَ وأشهرَ.

ومنهم مَن ذهب إلى القول بنسْخ الروايات المانعة من الكتابة، وأن ذلك كان في أول الأمر خشيةَ اختلاط السنة بالقرآن.

ومنهم مَن جمع بين الروايات بأن النهيَ في حقّ من خِيفَ منِ اتِّكاله على المكتوب، والإذن في حقّ مَن لا يُوثَق بحِفظِه ( [23] ) .

قال الحافظ العراقيّ: (‌‌اختلف الصحابة والتابعون في كتابة الحديث: فكرهه ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو سعيد الخدري، وآخرون من الصحابة والتابعين، لحديث أبي سعيد رضي الله عنه. وجوزه أو فعله جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وعلي وابنه الحسن، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر أيضا، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وحكاه القاضي عياض عن أكثر الصحابة والتابعين، قال: ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف ) ( [24] ) .

وقد ذكر الحافظ ابن عبد البرّ أن الذين كرهوا الكتابة كرهوها لأنهم كانوا مطبوعين على الحفظ، ويجتزئ الواحد منهم بالسماع، حتى كان ابن شهاب رحمه الله يقول: (إنِّي أمُرُّ بالبقيع فأسُدُّ آذاني مخافة أن يدخل فيها شيء من الخنا، فوالله ما دخل أذني شيء قط فنسيته) ( [25] ) .

وقد ذكر الأعظميّ أن كلّ مَن نُقِل عنه ذلك نُقِل عنه عكسُه أيضًا، ما عدا شخصًا أو شخصين، وقد ثبتت كتابتُهم أو الكتابة عنهم، ومنهم ابن شهاب الذي ذكرنا قوة ذاكرته آنفًا، وكان أوّلَ من دوّن السنة النبوية بأمر عمر بن عبد العزيز.

الأمر الثاني: تدوين السنة في القرنين الأول والثاني الهجريَّين أمر ممكن عادةً؛ لأن أسبابَه كانت متوفّرةً، وليس في بيئة الصحابة ما يمنع من الكتابة:

فإنَّ أمام الناظر في تاريخ العرب قبل الإسلام حقيقةً صُلبة: وهي أن الغالبيّة العظمى من أهل الجزيرة تكاد تكون جاهلةً، ولم يكن هناك ما يدفعها للتعليم، ويرغِّبها في تعلُّم الكتابة، غيرَ أن سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم التعليميّة جاءت بثمرة مرجوَّةٍ سريعة؛ فأنتجت الكُتَّاب بعدَد وافر، وأنتجت كذلك الإداريين والمعلِّمين، ولم يمض قرنٌ إلا وقد وُجدت الكتب وأُنشئت المكتبات ( [26] ) .

وهذا التصوّر حولَ إمكانيات الأجيال الأولى من المسلمين المتعلّقة بالكتابة مَدخَل ينبني عليه جواب هذه الشبهة؛ إذ لا يُتصوَّر التدوين مع المنازعة في وُجود الكتَّاب في تلك الأجيال.

الصفحة السابقة الصفحة التالية