شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كيفَ نُثبِّتُ السُّنة النبويَّة ونحتَجُّ بها وَقَد تأخَّر تدوِينُها؟!

مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف

يقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي رحمه الله: (إن معرفة الكتابة في عصر الصحابة وكبار التابعين لم تكن نادرةً إلى الحدّ الذي يصوِّره كثير من الكاتبين، وإن أنكرنا معرفتهم بالكتابة فكيف نحكم بكتابة القرآن نفسه؟! أما كان الصحابة يكتبون القرآن أولًا بأول؟! ثم ما معنى: «لا تَكتُبوا عنِّي، ومَن كَتب عنِّي غيرَ القرآن فليَمْحُهْ» إذا كان الناس لا يقدرون على الكتابة؟! فلا داعي للمنع البتة. وهذا الحديث نفسه يشير إلى أنهم كانوا يكتبون القرآن وغير القرآن أيضًا. ثم وجود عدَد كبير من كتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإدارة دولة وما شاكل ذلك.

إذن لا محيص من القول بأنه كان هناك عددٌ وافر من الذين يجيدون القراءة والكتابة، حتى في عصر الصحابة أنفسهم، وسياسة النبي صلى الله عليه وسلم التعليمية التي آتت أكلها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا بدّ أن تكون قد أنتجت أضعافَ ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

إذن مما لا شكّ فيه أنه كان هناك عددٌ كافٍ من الصحابة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يعرفون القراءة والكتابة، ولو أن الأغلبية لم تكن تعرف الكتابة، وبالرغم من هذا فإن الذين كانوا يعرفون كان فيهم كفاية) ( [27] ) .

الأمر الثالث: دلّت الدلائل على أن كتابة السنة وتدوينها في القرنين الأول والثاني الهجريَّين أمر وقع وتحقَّق فعلًا:

فهذه الشبهة مبنيّة على تصوُّرٍ ناقص لوجود انقطاع ممتدٍّ إلى قرنَين من الزمان، من زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظهور المدوَّنات الشهيرة؛ كصحيحي البخاري ومسلم والسنن وغيرها، أو إلى زمن التدوين الرسمي للسنة النبوية في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله على أحسن الأحوال.

وأصحاب هذه الشبهة يظنّون أنه في زمن الانقطاع تراكمت المروياتُ الشفهية الباطلة التي وجدت طريقَها إلى تلك المدونات الشهيرة، مما يعني إسقاطَ الوُثوق بتلك المدونات؛ فهي مبنيّة على تصور فاسدٍ لتاريخ تدوين السنة.

إن عنايةَ الأمة الإسلامية الحثيثةَ بحفظ السنة في الصدور والسطور والتي تعاقبت عليها أجيال المسلمين هي حقيقة تاريخية، لها شواهدها الغزيرة؛ فمن هذا الوجه كان القول بأن السنة النبوية تأخَّر تدوينُها إلى زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قولًا مبنيًّا على تصور مشوِّه للتاريخ.

وفي وقت مبكِّر أجاب الإمامُ عثمانُ بن سعيد الدَّارِميُّ عن دعوى تأخُّر التدوين إلى مدةٍ أقربَ من المدة التي يدَّعيها مروِّجو هذه الشبهةِ؛ حيث ادَّعى بعضُ المبتدعة أن التدوينَ تأخر إلى مقتل عثمان رضي الله عنه؛ فقال الإمام الدارمي: «صح عندنا أن الأحاديثَ كُتِبَت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعهدِ الخلفاء بعدَه» ( [28] ) . ثم شرع يُسنِد الرواياتِ الدالةَ على وقوع التدوين من الصحابة، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه (قبل مقتل عثمان)، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

وقال أبو إسماعيل الهروي: (وعلى ما ذكرت درج ثلاث طبقات من صدر هذه الأمة -الطبقة الأولى: الخلفاء، وبقية العشرة، والمهاجرون الأولون، ومشيخة الأنصار، والطبقة الثانية: من متأخريهم والمخضرمين وقدماء التابعين، والطبقة الثالثة: من متأخريهم مع أكثر أوائل من يليهم من أتباع التابعين- لم يكونوا يكتبون الحديث، إنما كانوا يؤدونها لفظًا، ويأخذونها حفظًا، إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء.

حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء الموت، أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الأمويّ أبا بكر الحزمي فيما كتب إليه أن انظر ما كان من سنةٍ أو حديث عمر فاكتبه؛ فإني أخاف دروس العلم وذهاب العلماء) ( [29] ) .

وكلام الهروي وإن كان فيه تقليل شديد لما كُتب في تلك الطبقات المتقدّمة من الصحابة والتابعين، إلا أن فيه إقرارًا بوجود ( الشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء).

وفي سبيل الوقوف على ذلك ( الشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء) قام الدكتور محمد مصطفى الأعظَميُّ رحمه الله بدراسةٍ لـ(تقييد الحديث من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى منتصف القرن الثاني الهجري على وجه التقريب)، وهي دراسة استقرائية لنشاط المحدِّثين إلى منتصف القرن الثاني، الذي بدأت تظهر فيه كتبُ السنة ذاتُ الصِّبغة الموسوعية، وقد قسَّم تلك الدراسةَ إلى أربعة فصول:

الفصل الأول: في كتابة الصحابة رضي الله عنهم.

والفصل الثاني: في كتابة كبار التابعين (من مات إلى سنة 105هـ).

والفصل الثالث : في كتابات المحدثين ومؤلَّفاتهم الذين امتدَّت حياتهم من القرن الأول إلى فترة معقولة من القرن الثاني (مَن ولد إلى سنة 65هـ).

والفصل الرابع : خاص بصغار التابعين (من ولد ما بين 66-110هـ). وشملت دراسته مسردًا ضمَّ 500 محدثٍ ( [30] ) .

وبناءً على ما تقدّم يمكن القول: إن ما تضمّنته المصنفات الحديثية ليست أحاديثَ جديدة اكتُشفت في حِقبة علمية متأخرة، وإنما هي انتخاب دقيق من مدوَّنات حديثية سابقة.

فالأحاديث المُضمَّنة في هذه المدوَّنات الجليلة الموجودة بين أيدينا اليوم -مثل الصحيحين والموطأ والسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء- لم تظهرْ في هذه الحِقبة فجأة كما قد يتوهَّمه بعضُ الناس، بل وقعت لأصحابها متّصلةَ الإسناد بمَن فوقهم، حتى تصل إلى الجناب النبوي الشريفِ، في جهد علميّ تراكُميّ متميّز، يعتمد فيه المتأخّرُ جُهدَ المتقدِّم ويبني عليه، في سلسلةٍ علمية لم تنقطع، بل إن كثيرًا من الأحاديث الموجودة في هذه الكتب هي في الحقيقة انتخابٌ مِن كتب مَن فوقهم؛ حيث وقعت هذه الكتبُ لهم متصلةَ الإسناد مشافهةً؛ فسمعوا أحاديثَها حديثًا حديثًا ممن حدَّثهم بهذا الكتاب، والذي بدَوره سمعها ممَّن فوقه؛ فوقعت لهم هذه الكتبُ سماعًا وكتابة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية