شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الأول)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

يستدلّ المخالف بقول بعض الفقهاء على بعض البدع -كبناء المساجد على القبور واستقبال القبر بالصلاة- بأنه مكروه فقط، ونحن نقول: هذا صحيح؛ فإن بعض هذه الأمور قال فيها بعض المذاهب بالكراهة، لكن هذا لأن الفقهاء التزموا بلفظ إمام المذهب -كما سيأتي-، لا لكونها ليست من المنكرات عندهم، وتصرفات الفقهاء دلَّت على النهي والتحذير الشديد، ومن ذلك أن الهيتمي جعل البناء على القبور من الكبائر في كتابه (الزواجر)( [18] ) كما سبق النقل عنه، مع أنها مكروهة في كتب المذهب.

وقال ابن المُلَّقن: “في الحديث دليل أيضًا على منع بناء المساجد على القبور، وهو منع يقتضي التحريم ، كيف وقد ثبت في الحديث لعن الله اليهود… وقد استجاب الله دعاءه فله الحمد والمنة، وأما الشافعي والأصحاب فصرّحوا بالكراهة”( [19] ).

وقال القسطلاني في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: « أؤلئك شرار الخلق عند الله » : “ ومقتضاه التحريم، ولا سيما وقد ثبت اللعن فيه ، لكن صرح الشافعي وأصحابه بالكراهة”( [20] ).

قال المُناوي: “في خبر الشيخين كراهة بناء المسجد على القبور مطلقًا، والمراد قبور المسلمين؛ خشية أن يُعبد فيها المقبور؛ لقرينة خبر: « اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد » . وظاهره أنها كراهة تحريم، لكن المشهور عند الشافعية أنها كراهة تنزيه”( [21] ).

حتى الإمام النووي قال: “قال أصحابنا: ويُكره أن يُصلي إلى القبر، هكذا قالوا: يُكره! ولو قيل: يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يَبعد “( [22] ).

وقال أبو العباس القرطبي: “وجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور أن ذلك مباهاة واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبُّه بمن كان يُعظِّم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وبظاهر النهي، ينبغي أن يُقال: هو حرام، كما قال به بعض أهل العلم “( [23] ).

فلو تأملت استدراك كل هؤلاء الفقهاء، وعدم رضاهم بحكم الكراهة، تعلم من ذلك تلبيس المخالفين، حيث يُظهرون السلفيين وكأن لديهم مجازفات وميلًا إلى التشديد حينما يختارون الحرمة.

والظنّ بالإمام الشافعي رحمه الله أنه أراد الكراهو التحريمية لا التنزيهية -كما سبق من كلام الهيتمي- ثم تساهل فقهاء المذهب في نقل الكراهة التزامًا منهم بألفاظ الإمام الشافعي الذي أراد التحريم.

وفي ذلك يقول الغزالي: “كثيرًا ما يقول الشافعي رحمه الله: (وأكره كذا) وهو يريد التحريم”( [24] )، وقال مثله الرازي( [25] ).

يقول ابن القيم في كلامٍ جليل: “وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم، فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جدًّا في تصرفاتهم ; فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول: هو حرام، ومذهبه تحريمه، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان، وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة، ومذهبه أنه لا يجوز… وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة، وكل شيء ذبح لغير الله، قال الله عز وجل: {حُرِّمَت عَلَيكُمُ الميْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بِهِ}، فتأمل كيف قال: (لا يعجبني) فيما نص الله سبحانه على تحريمه”( [26] ).

رابعًا: استدلالهم بإباحة النذر لقبور الصالحين:

تمسك المعاصرون بقول بعض الفقهاء الشافعية أنه يُقبل النذر للأضرحة أو للبقع المباركة، فظن بعض المتأخرين -ممن عارضوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب- أن بعض الفقهاء يبيحون النذر لذوات الأولياء، ولا يرونه شركًا أكبر، كما استدلوا بكلام لابن تيمية يعتبر فيها النذر للقبور معصية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وكذلك النذر للقبور أو لأحد من أهل القبور -كالنذر لإبراهيم الخليل أو للشيخ فلان أو فلان أو لبعض أهل البيت أو غيرهم- نذر معصية لا يجب الوفاء به باتفاق أئمة الدين؛ بل ولا يجوز الوفاء به؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه » … فمن نذر زيتا أو شمعا أو ذهبا أو فضة أو سترا أو غير ذلك ليجعل عند قبر نبي من الأنبياء أو بعض الصحابة أو القرابة أو المشايخ فهو نذر معصية لا يجوز الوفاء به، وهل عليه كفارة يمين؟ فيه قولان للعلماء”( [27] ). ويقول ابن تيمية أيضًا: “أما إذا كان النذر لغير الله فهو كمن يحلف بغير الله، وهذا شرك. فيستغفر الله منه، وليس في هذا وفاء، ولا كفارة”( [28] ).

فاستدل مناوئو الدعوة بأن ابن تيمية يرى أن النذر لغير الله ليس شركًا أكبر. وممن زعم هذا الزعم ابن داود واعتبر النذر للأولياء من الشرك الأصغر كالرياء ونحوه( [29] )، وكذلك سليمان بن عبد الوهاب( [30] )، وتابعهم ابن جرجيس وغيره.

وهذا غلط في فهم كلام ابن تيمية، وغلط أيضًا على بعض الشافعية ممن أجازوا هذا النذر؛ فإن كليهما لم يقصدا النذر تقربًا إلى الولي نفسه، بل قصدوا النذر لمصالح البقعة أو القبر أو الفقراء القاطنين هناك -كما سيأتي من كلامهم-، من جنس قول القائل: سأذبح لهذه المدينة، أي: لمصالح هذه المدينة، أو سأذبح للقرية، يعني سأوزع اللحم على هذه القرية؛ ولأجل كون النذر لمصالح القبور بدعة وذريعة إلى الشرك جعلها ابن تيمية نذر معصية في مواضع، أما الذبح للولي نفسه فهو شركٌ أكبر عند ابن تيمية -كما سيأتي-.

وفيما يلي تبرئة العلماء مما فهمه المخالفون :

أولًا: بالنسبة لكلام ابن تيمية:

الصفحة السابقة الصفحة التالية