شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الأول)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

فإنهم تركوا المحكم من كلامه الذي فيه أن النذر للأولياء شرك أكبر، ومن ذلك: قول شيخ الإسلام: “والنذر للمخلوقات أعظم من الحلف بها، فمن نذر لمخلوقٍ لم ينعقد نذره، ولا وفاء عليه باتفاق العلماء، مثل من ينذر لميت من الأنبياء والمشايخ كمن نذر للشيخ جاكير وأبي الوفاء أو المنتظر، أو الست نفيسة… ولا يجوز أن يُعبد الله إلا بما شرع. فمن نذر لغير الله فهو مُشرك أعظم من شرك الحلف بغير الله، وهو كالسجود لغير الله “( [31] ).

وقال أيضًا: “فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم، وإن قال فيه: بسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تُباح ذبائحهم بحال “( [32] ).

ففي هذه المواضع جعل ابن تيمية النذر للأولياء شركًا أكبر، أعظم من الحلف بغير الله، فكان ينبغي على المخالفين جمع كلامه في الباب.

أما قول ابن تيمية الذي استدلوا به: “أما إذا كان النذر لغير الله فهو كمن يحلف بغير الله، وهذا شرك. فيستغفر الله منه، وليس في هذا وفاء، ولا كفارة”( [33] )، فيُحتمل أنه مثله في عدم الكفارة وعدم الوفاء به -وهو الظاهر من كلامه-، لا لكونه يراه مثل الحلف بغير الله من كل وجه.

ثانيًا: بالنسبة لقول بعض فقهاء الشافعية:

كما أسلفنا أن بعض الفقهاء قصدوا قبول النذر لمصالح البقعة أو القبر أو الفقراء، فإن قول القائل: (نذرتُ للبقعة) اللام هنا يُحتمل أنها لمصالح البقعة، من جنس: نذرت للقرية، وهذا صحيح لغةً.

وهنا يجب أن نفهم طبيعة الواقع الذي تكلّم فيه الفقهاء، فإن بعض قبور الصالحين في القرافة كان يعتني بها السلاطين للتسهيل على الزائرين ممن يقرؤون لهم الفاتحة على الطريقة الشرعية. فكان بعض الزائرين يُخصص مالًا أو زيتًا أو شمعًا لهذا المكان أي: لإنارته وتنظيفه. فصار بعض الفقهاء يُلحقونه بمن نذر للمسجد، أو للقرية، أو للضيف ونحو ذلك. وهذا لا شك أنه تساهل -وسيأتي نقضه من كلام الأذرعي وغيره-، لكن مرادنا هو براءة الفقهاء مما نسبه إليهم القبورية.

وهذا التفصيل في مقصود الناذر -هل مراده التعظيم أم لا؟- هو تقسيمٌ صحيح في أصله ويقول به السلفيون أيضًا:

يقول الشيخ ابن عثيمين: “الذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين: أن يذبح لغير الله تقربًا وتعظيمًا، فهذا شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة، وأن يذبح لغير الله فرحًا وإكرامًا، فهذا لا يخرج من الملة، بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانًا وغير مطلوبة أحيانًا، فالأصل أنها مباحة”( [34] ).

لكن لما كان الذبح للقبور مشتبهًا، ويتعذَّر فيه هذه التفرقة اللغوية، والعامة إنما يقصدون التقرب لصاحب القبر نفسه، كان إبطال النذر هو الصواب، ولهذا تعقّب مجتهد الشافعية الشهاب الأذرعي هؤلاء الفقهاء، وأبطل النذر لهذه القبور مطلقًا، وتابعه المحققون.

يقول مجتهد الشافعية الإمام الأذرعي : “أما النذور للمَشاهد التي بُنيت على قبر ولي أو شيخ.. إن قصد بنذره -وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة- تعظيم البقعة أو المشهد أو الزاوية أو تعظيم من دُفن بها ممن ذكرنا أو نُسبت إليه أو بُنيت على اسمه؛ فهذا نذر باطل غير منعقد؛ فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات لا تُفهم، ويرون أنها مما يُدفع به البلاء، ويُستجلب به النماء، ويُستشفى بالنذر لها من الأدواء ، حتى إنهم ينذرون لبعض الأشجار لما قيل: إنه جلس عليها أو استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج أو الشموع أو الزيت… ومن ذلك نذر الشموع الكبيرة العظيمة وغيرها لقبر الخليل عليه السلام ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء، فإن الناذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على القبر تبركًا وتعظيمًا ظانًّا أن ذلك قربة.. فهذا مما لا ريب في بطلانه، والإيقاد المذكور محرم سواء انتفع به منتفع هناك أم لا؛ لأن الناذر لم يقصد ذلك ولا مر بباله؛ بل غرضه ما أشرنا إليه، فهذا الفعل من البدع الفاحشة التي عمت بها البلوى، وفيها مضاهاة اليهود والنصارى الذين لُعنوا في الحديث الصحيح على تعاطيهم ذلك على قبور أنبيائهم، وإنما أوضحت فساد ذلك مع وضوحه خشيةَ أن يتمسك جاهل بقول المصنف: (في مسجدٍ أو غيره) وليس ذلك مراده”( [35] ).

والإمام الأذرعي هو من أجلّ تلامذة تقي الدين السبكي؛ وقد استدلّ بالأحاديث الدالة على لعن اليهود والنصارى في تعظيم قبور الأنبياء، إذن فالقضية متفق عليها بين العلماء، وليس لابن تيمية خصوصية بها.

وقد نقل ابن حجر الهيتمي كلام الأذرعي مُلخّصًا، ثم قال: “إذا قصد به مجرد التنوير وكان هناك من ينتفع بذلك النور فإن هذا قصد صحيح فيلزم.. فإن أمكن أن يتأتّى فيه أنه قصد بهذا النذر التقرب لمن في القبر بطل؛ لأن القُرَبَ إنما يُتقرب بها إلى الله تعالى لا إلى خلقه، على أن محل هذا كله حيث لا عُرف مطرد في زمن الناذر أو الواقف، وأما حيث اطرد العُرف بأن الشموع والأموال التي تأتي لهذا القبر تُصرف في مصالحه أو مصالح المسجد أو لأهل البلد الذي هو فيه، ولم يقصد بالنذر التقرب لمن في القبر، فإن ذلك صحيح لا يسع الأذرعي ولا غيره المخالفة في ذلك.. والأذرعي إنما قال ذلك فيما ذكره الرافعي في قبر جُرجان، هذا كلام مضلة؛ لأنه فهم أن الرافعي يقول بالصحة وإن قصد التقرب للقبر، وليس كذلك، بل كلام الرافعي مصرح أن الناذر لم يقصد ذلك”( [36] ).

تأمل قول الهيتمي: (لأن القُرَب إنما يُتقرب بها إلى الله تعالى لا إلى خلقه). وهنا قد وصف الهيتمي هذا الفعل بأنه من القُربات، أي: من العبادات التي لا تجوز إلا لله، وهو ما يُبطل قول القبورية أنه ليس شركًا.

ثم قد وضَّح الهيتمي مراد الفقهاء كالرافعي وغيره من قبول هذا النذر، وهو أنهم قالوا بصحة النذر باعتبار أن النذر لم يُقصد به التقرب إلى المقبور نفسه، كما أن الهيتمي وافق على كلام الأذرعي ببطلان النذر بنية التقرب والتعظيم لصاحب القبر.

نعم، لاشك أن بعض فقهاء المتأخرين تساهلوا في قضية تنوير بعض المشاهد وقبول تلك النذور، لكنَّ هذا مبحث آخر، وإنما نقطة البحث هو بيان مراد الفقهاء من قبول النذر، وأنهم لم ينفوا شركية الذبح لذوات الأولياء -كما فهم المخالفون-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية