الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الثاني)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
المجاز العقلي الذي يقصده السبكي هو في تسويغ مصطلح (الاستغاثة بالرسول)؛ فإن ابن تيمية يعتبر المصطلح ذاته فيه إيهام بالشرك، من جنس الاستعاذة بالمخلوق، ولا شك أن الصواب في هذا مع ابن تيمية.
لكن بيَّن السبكي أن المصطلح جائز عنده من وجهين:
الوجه الأول: الاستغاثة بالله متوسلًا بالرسول، واختُصرت إلى (الاستغاثة بالرسول) من جنس (الدعاء بالرسول) و(السؤال بالرسول) أي: سؤال الله بالرسول، والباء هنا هي باء التوسل، والمدعو والمستغاث هو الله تعالى.
الوجه الثاني: أن إسناد الاستغاثة بالرسول يصح من باب المجاز العقلي؛ لأنه سبب لتفريج الحجات عن طريق التوسل به إلى الله، فهو سبب بهذا المعنى، فلذلك يصح تسميتها (استغاثة بالرسول).
والقصد مما سبق: أن تخريج السبكي يقصد به “شرعنة” المصطلح وتسويغه، يعني على مذهبه: يصح تسميتها استغاثة بالرسول، مع أن الداعي سوف يدعو الله تعالى ولا يدعو الرسول نفسه، كما فهم المعاصرون.
وعلى هذا ينبغي حمل كلام السبكي ونحوه ممن جوَّز الاستغاثة، ونحن ننزه الإمام السبكي رحمه الله من هذا الشرك القبيح الذي لا يقوله من عرف دين الإسلام. وإذا كان الشيخ الغماري -على غلوه في باب القبور- يعتبر سؤال الأولياء من الكفر( [21] )، فكيف بالسبكي وهو الفقيه الأصولي؟!
لكن يتبقى مسألتان تحتاجان إلى توضيح:
المسألة الأولى: طلب الدعاء والشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم:
وهي الاستشفاع، أي: طلب الشفاعة أو الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم عند الزيارة، وهذه المسألة لا خصوصية للسبكي فيها، بل ذكرها كثير من الفقهاء في باب الزيارة، محتجين بأثر العتبي ومالك الدار.
وهذه مسألة الصواب فيها مع ابن تيمية وابن عبد الهادي في كونها من ذرائع الشرك، وليس هذا موضع البسط في المسألة، إلا أن غرضنا هو بيان أن هؤلاء الفقهاء متأولون مخطئون -كما ذكر الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب- في رسالته (مباحثة مع علماء مكة)، ووجه التأويل: هو وجود بعض الآثار التي أقامت شبهة في المسألة.
يقول الشيخ عبد الله: “ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتآليف فيها، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها -يعني الاستغاثة بالرسول- كابن حجر الهيتمي ، فإنا نعرف كلامه في (الدر المنظم)، ولا ننكر سمة علمه، ولهذا نعتني بكتبه، كـ(شرح الأربعين) و(الزواجر) وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين”( [22] ).
على أن حكم المسألة عند كثير من محققي السلفية ليست من الشرك الأكبر، بل هي من البدع ووسائل الشرك.
يقول الشيخ ابن عثيمين: “سؤال الميت أن يسأل الله، أو سؤاله قضاء الحاجة، بينهما فرق، إذا سئل قضاء الحاجة فهذا شرك أكبر، وإذا سئل أن يسأل الله فهذا بدعة وضلالة؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله، والدعاء من عمله، فكيف تسأله ما لا يمكن؟! ومن ذلك أن تقول: يا رسول الله اشفع لي، فإن هذا حرام وبدعة مُنكرة، لكن لو قلت: يا رسول الله أنجني من النار، كان شركًا أكبر”( [23] ).
ويقول الشيخ عبد الرحمن البرَّاك: “والذي يظهر لي وأقول به: إنَّ الأموات لا يسمعون إلا ما دلَّ الدليل على سماعهم له، وإنَّ سؤال الميتِ الدعاءَ بدعةٌ لا شرك أكبر”( [24] ).
المسألة الثانية: الاستغاثات في القصائد الشعرية:
قد وُجد لبعض العلماء المتأخرين بعض القصائد الشعرية في المديح النبوي، والتي استُدلّ بها على جواز الاستغاثة بغير الله، والرد على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أساليب النداء في الأدب والشعر يُترخّص فيها ما لا يُترخص في غيرها، فلا يُراد حقيقة النداء، ومنه قول القائل يرثي أهل الأندلس بعدما أصبحت أطلالًا:
فيا ساكني تلك الديار كريمة *** سقى عهدكم مزن يصوب نميرها
فقد ينادي الشاعر الموتى ويُحاورهم بما يحتمله الخيال الأدبي والشعري، بل هذا يحصل خارج الشعر أيضًا، فقد يقول قائل عند قبر أبيه: يا أبت، أرأيت ما حلّ بي من بعدك! ولا يريد حقيقة النداء بالضرورة.
وكذا نقول في نداء الرسول صلى الله عليه وسلم مثل: (يا رسول الله، يا علم الهدى)، لا يُراد منه دعاء غير الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “(يا محمد يا نبي الله) هذا وأمثاله نداء، يطلب به استحضار المنادَى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب، كما يقول المصلي: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصوّره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب”( [25] ).
الوجه الثاني: ليس في هذه القصائد طلب صريحٌ بالرزق والشفاء وإنزال المطر وغير ذلك، وإنما غايتها التوسل أو التشفع به صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يُصوّر استغاثته به يوم القيامة في أرض المحشر بأسلوبٍ أدبي وشعري.
وقد وقع للإمام السفاريني الحنبلي ما يعدونه استغاثات، مع أن السفاريني يُحرِّم الاستغاثة بالأولياء، يقول رحمه الله: “أما من كان قصده بالزيارة أن يطلب حوائجه من الميت فهذا لا يشكّ عاقل في قبحه وتحريمه؛ إذ الحوائج منوطة لخالقها، فليس إلا الله يقضي حاجة، ومن شك في هذا طغى وتمرد”( [26] ).
ولا يضرّ أنه قال بقبحه وتحريمه ولم يذكر الشرك، فقد نقل بعدها عن ابن تيمية وابن القيم ما يُفيد شركية هذه الممارسات مُحتجًّا بهما، مما يدل على أنه يوافقهما على ذلك.
وقصيدته التي يحتجون بها قد ذكرها في نفس الكتاب الذي حرم فيه الاستغاثة (البحور الزاخرة)، وقد ذكرها تحت (باب أهوال أهل المحشر)، مما يدل على أنه يصوِّر ذلك بصورة شعرية، والنداء في هذه الحالة هو نداء استحضار في القلب (نداء مجازي) لا يُراد منه حقيقة الدعاء.
والحاصل أن كثيرًا من الناس يترخّص في الشعر ما لا يترخص في غيره؛ لما فيه من أساليب مجازية، وقول العالم يؤخذ من تقريراته الشرعية التي خصّها لذلك، لا من كلامه الشعري أو الأدبي.
ثامنًا: الاستدلال بشذوذ بعض أصحاب الحواشي من المتأخّرين: