شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الثاني)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

معلومٌ أنه كلما تأخّر الزمان ازدادت البدع شيئًا فشيئًا، فيطلق المتقّدم كلمة، فيأتي من يليه ويضع ويتسامح قليلًا باحتراز، ثم يأتي من بعده ويتسامح أكثر، وهكذا حتى يسقط الحكم الشرعي، بل أحيانًا يصل إلى ضدّه أيضًا. وهذا الأمر يحصل في طبقة (متأخري المتأخرين) من بعد الحادي عشر تقريبًا، لكن عارضهم غيرهم من معاصريهم.

ومن أمثلة ذلك:

1- مخالفة بعضهم في البناء على المسبلة:

يقول ابن قاسم العبادي رحمه الله معترضًا على قول ابن حجر الهيتمي: (وقد أفتى جمعٌ بهدم قبور…) إلخ ما نصه: “الأوجه خلافُ هذا الإفتاء، ما لم يتحقق التعدي في بناءٍ بعينه، وإلا فما من بناءٍ لم يتحقق أمره إلا وهو محتمل للوضع بحق، فليتأمل”( [27] ).

ثم يتسامح الحلبي أكثر، فيقول في حاشيته على (المنهج): “واستثنى قبور الأنبياء عليهم السلام والصحابة والعلماء والأولياء، فلا تحرم عمارتها في المُسبلة… ولا تغتر بما وقع لابن حجر كغيره في هذا المحل”( [28] ).

والمُلاحظ أن العبادي قد تعقَّب كلام الهيتمي ووضع احترازًا، ثم أتى الحلبي وتساهل أكثر، وادَّعى استثناء الأنبياء والصحابة والعلماء والأولياء، ثم يقول: (لا تغتر بكلام ابن حجر).

حتى إن العلامة البيجيرمي لاحظ تساهل أصحاب الحواشي -بعد أن نقل كلامهم- فقال: “نعم، استثنى بعضهم قبور الأنبياء والشهداء والصالحين ونحوهم… وكل ذلك لم يرتضه شيخنا الشوبري، وقال: الحق خِلافه، وقد أفتى العز بن عبد السلام بهدم ما في القرافة، ويُستثنى قبة الإمام -يعني: الشافعي- لكونها في دار ابن عبد الحكم”( [29] ).

ويلاحظ أن البيجرمي أكثر حيطة، إلا أنه استثنى قبة الشافعي مخالفًا بذلك معتمد المذهب الذي حققه الدميري والهيتمي وغيرهما، ولذلك ذكر الشيخ الدمياطي كلام أصحاب الحواشي ثم تعقبهم جميعًا بقوله: “ الحق خلافه ، وقد أفتى العز بن عبد السلام بهدم ما في القرافة”( [30] ).

ويرد أيضًا على استثناء البيجرمي لقبة الشافعي ما ذكرناه عن الهيتمي بما نصه: “وكم أنكر العلماء على باني قبة الإمام الشــافعي وغيرها، وكفى تصريحهم في كتبهم إنكارًا .. فاعتمد ذلك ولا تغتر بما يُخالفه “( [31] ).

ويقول مرعي الكرمي الحنبلي: “وما قيل من أن موضع قبر الشافعي كان بيتًا لابن عبد الحكم فالبناء عليه جائز، فغير مُسلَّم، ولو سُلِّم فهو حين بناء قبة الشافعي التي بناها الملك الكامل كان قد زال عن ملك ابن عبد الحكم وغيره؛ لعدم الوارث، وصار من قبيل الأرض التي هي لعموم المسلمين، يُسلِّم هذا من يعرف الفقه والعلم، وحينئذٍ فحكم بناء قبته كغيره من مشاهد القرافة وغيرها، وقد تقدم أن علماء عصر الملك الظاهر أفتوه قاطبة بوجوب هدمها”( [32] ).

ونصوص أئمة الشافعية والحنابلة في تقرير هذا الحكم لا تُعد ولا تُحصى، ولا عبرة بكلام بعض أصحاب الحواشي في القرون المتأخرة؛ فإن بعضهم قد خالفوا سابقيهم.

2- استلام قبر البدوي قياسًا على الحجر الأسود:

مِن بدع هذه الطبقة -متأخري المتأخرين- أيضًا هو إباحة بعضهم اللمس والتقبيل لقبور الأولياء قياسًا على استلام الحجر الأسود، فهذا الشيخ الباجوري رحمه الله يقول في حاشيته: “ويُكره تقبيل القبر واستلامه، ومثله التابوت الذي يجعل فوقه، وكذلك تقبيل الأعتاب عند الدخول لزيارة الأولياء، إلا إن قصد به التبرك بهم فلا يُكره ، وإذا عجز عن ذلك لازدحام ونحوه -كاختلاط الرجال بالنساء كما يقع في زيارة سيدي أحمد البدوي- وقف في مكان يتمكن فيه من الوقوف بلا مشقة، وقرأ ما تيسر، وأشار بيده أو نحوها ثم قبَّل ذلك؛ فقد صرحوا بأنه إذا عجز عن استلام الحجر الأسود يسنّ له أن يشير بيده أو عصا ثم يقبلها”( [33] ).

فالشيخ الباجوري رحمه الله قرر المذهب أولًا، ثم غيَّر مساره بتأويل يوافق بدع أهل زمانه، وقلب حكم تقبيل القبر واستلامه إلى الإباحة إذا قُصد التبرك، فليت شعري، فهل كان هناك غرض من تقبيل الأعتاب إلا التبرك؟! وأما قياس الباجوري تقبيل قبر البدوي على تقبيل الحجر الأسود ففيه ما فيه.

وقد لاحظ العلامة الشرواني فساد هذا القياس، فقال في حاشيته على التحفة: “أقول: في الاستنباط المذكور مع صحة النهي عمَّا يُشعر بتعظيم القبور توقفٌ ظاهر”( [34] ).

والصواب مع الشرواني؛ بدليل قول النووي: “ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه؛ فإن ذلك عادة النصارى… لأنه قد صحَّ النهي عن تعظيم القبور، ولأنه إذا لم يُستحب استلام الركنين الشاميين من أركان الكعبة لكونه لم يُسن، مع استحباب استلام الركنين الآخرين، فلَأن لا يُستحب مس القبور أولى “( [35] ).

ويرد كلام البيجوري وغيره تصريحُ ابن الحاج المالكي أن مِن العامة مَن يريدون التبرك بهذه الأفعال، فيقول: “تجد من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف… ويتمسح به ويقبله ويلقون عليه مناديلهم؛ يقصدون بذلك التبرك . وذلك كله من البدع “( [36] ).

والمقصود أن طبقة متأخري المتأخرين -أو أصحاب الحواشي فيما بعد القرن الحادي عشر- قد سايروا البدع التي انتشرت في أهل زمانهم، وأوَّلوا كلام متقدّميهم تعسُّفًا، ظنًّا منهم أن الأوضاع التي عايشوها صحيحة، ولا تخالف ما درسوه في الكتب. وإنه لمن الخطأ البيِّن عند طالب علم نبيه -فضلًا عن عالم- أن يعتمد على هؤلاء المتأخرين في كبريات القضايا المتنازع فيها، وإلا لذهبت جهود المُجدّدين وعلماء الإصلاح سدى.

3- إباحة بعض المتأخرين عبارة: (شيء لله):

استدل المعاصرون بأن بعض أصحاب الحواشي من المتأخرين أباحوا قول العامة: (يا شيخ فلان، شيء لله)، وجعلوا ذلك دليلًا على غلو السلفيين في المنع من هذه الكلمة.

وهذا لا حجة لهم فيه؛ فإن أول من ذكر هذه العبارة، وكفَّر قائلها هم الحنفية، واشتهرت في نظم (قيد الشرائد ونظم الفرائد) لعبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقى الحنفى، والذي جاء فيه:

ومن قال: شيء لله بعضٌ يُكفِّر *** ويُخشى عليه الكفر بعضٌ يُقرر

الصفحة السابقة الصفحة التالية