وقفة تاريخية حول استدلال الأشاعرة بصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهما
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
يقول ابن تيمية: “فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء، فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة… وجرت فصول كثيرة إلى أن أخذت مصر من بني عبيد أخذها صلاح الدين يوسف بن شادي، وخطب بها لبني العباس، فمن حينئذ ظهر الإسلام بمصر بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدين عن دين الإسلام مائة سنة”( [11] ).
ويعقد ابن تيمية مقارنة بين ولاة بني أيوب وبين من والى النصارى، ويُرجع سبب تمكين الله لهم إلى قيامهم بأمر الدين قائلًا: “وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم العادل كيف مكنهم الله وأيدهم، وفتح لهم البلاد، وأذل لهم الأعداء؛ لما قاموا من ذلكم بما قاموا به”( [12] ).
وهذا لا يُفهم إلا من جهة سلامة مجمل اعتقادهم، وميلهم إلى السنة، ومجافاتهم للبدع الصريحة.
كما يحكي ابن تيمية قتل السهروردي -وهو من غلاة الصوفية- في زمن صلاح الدين، ويجعل هذا من حسناته:”فقتله المسلمون على الزندقة بحلب في زمن صلاح الدين”( [13] ).
وهو دليل على موافقته لنهج الدولة في حماية العقيدة من الفلسفة الباطنية، وتطبيق أحكام الزندقة في حق من يستحقها.
أما ابن القيم فيقول في معرض كلامه عن القرامطة: “ولم يزل أمرهم ظاهرًا إلى أن أنقذ الله الأمة منهم ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستنقذ الملة الإسلامية منهم وأبادهم وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم”( [14] ).
ويقول أيضًا: “وكم ماتت بهم سنة وقامت بهم بدعة وضلالة، حتى استنقذ الله الأمة والملة من أيديهم في أيام نور الدين وابن أخيه صلاح الدين؛ فأبرأ الإسلام من علته بعدما وطن المسلمون أنفسهم على العراء، وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء”( [15] ).
ومجموع هذا يثبت أن ابن تيمية وابن القيم اعتبرا صلاح الدين ومن معه من ولاة بني أيوب على الجادة -في الجملة- من جهة العقيدة، ولم يذكرا عنهم ما يُخالف السنة صراحة.
وقد بيّن ابن تيمية أن من قال بمضمون (الإبانة) ولم يُظهر ما يناقضه فهو من أهل السنة، فقال: “وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) ولم يظهر مقالةً تناقض ذلك، فهذا يُعد من أهل السنة”( [16] ).
وهو ما يُرجّح أن انتساب صلاح الدين إلى الأشعرية لم يكن مبنيًّا على تبني تأويلاتهم الكلامية المتأخّرة، بل على انتساب إجماليّ لما ظنّه مذهب أهل السنة، كما هو حال كثير من علماء ذلك العصر.
وبهذا القول الوسط ينحلّ الإشكال -إن شاء الله-، ونجمع بين ثناء ابن تيمية على عقيدة صلاح الدين وبين ما ذكره المؤرخون من اعتماده مذهبَ الأشاعرة، فلا تعارض في ذلك.
المطلب الثاني: الاستدلال بفتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح:
يستدلّ بعض المعاصرين على صحة مذاهب المتكلمين -مثل الأشعرية والماتريدية- بفتح السلطان محمد الفاتح لمدينة القسطنطينية، مستندين إلى أن الدولة العثمانية التي فتحتها كانت تتبنى المذهب الماتريدي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشّر بفتح القسطنطينية، وقد تحقق هذا الفتح على يد محمد الفاتح. ولأجل ذلك يزعم هؤلاء أن مذاهب المتكلمين -خاصة الأشعرية والماتريدية- هي المذهب الحق.
غير أن هذا الاستدلال يتضمن عدة مغالطات علمية وتاريخية وعقدية، يمكن بيانها فيما يلي:
الوجه الأول: الفرق بين فتح القسطنطينية التاريخي وفتح آخر الزمان في النصوص النبوية:
الأحاديث الصحيحة التي تحدثت عن فتح القسطنطينية لا تشير إلى الفتح التاريخي الذي قام به السلطان محمد الفاتح، بل تشير إلى فتح يقع في آخر الزمان، وهو فتح له علامات وصفات خاصة تختلف جوهريًّا عن الفتح التاريخي، ويمكن تفصيل ذلك في النقاط التالية وذلك من خلال الأحاديث الصحيحة:
1- أن الفتح سيكون بغير قتال، بل بالتكبير والتهليل، ففي صحيح مسلم: « فإذا جاؤوها نزولوا، فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم » ( [17] )، بينما فتح محمد الفاتح كان عبر قتال عنيف واستخدام المدافع، وهذا تعارض واضح مع وصف الفتح النبوي.
2- أن خروج الدجال هو علامة بعد فتح القسطنطينية، فقد جاء في نفس الحديث: « فبينما يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون » ( [18] )، وهذا لم يحدث حتى الآن رغم مرور أكثر من ستة قرون على الفتح العثماني.
3- أن نزول عيسى عليه السلام وقتله للدجال هو علامة بعد فتح القسطنطينية، جاء في الصحيح: « فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم… فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته » ( [19] ).
4- في الحديث أن الجيش الفاتح سيكون من بني إسحاق: « لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزولوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم » ( [20] ). بينما السلطان محمد الفاتح وجيشه من الترك (العثمانيين)، وآل عثمان وإن كانت اختلطت دماؤهم بالأجناس الأخرى في القرون المتأخرة بسبب الزواج من جواري الروم، إلا أنه لا خلاف في أنهم في بداياتهم -وحتى فتح القسطنطينية- كانوا من التُرك الأصليين، أي: من قبائل المغول. أما بنو إسحاق فقد اختلف أهل العلم في أماكن تواجد ذريته، وتعددت شروح العلماء فيها، فقيل: هم الروم الذين يُسلمون( [21] )، لأنه قد ثبت أن الروم من العيص بن إسحاق، وذهب بعض العلماء أنهم من العرب، لأن شمال الجزيرة العربية تضم قبائل يرجع نسبها إلى إسحاق، وذهب بعضهم إلى أنهم أكراد العراق، وغير ذلك من الأقوال( [22] ).
إذن، لا يصح إنزال البشارة النبوية على ما صنعه العثمانيون، وهنا ينبغي تصحيح معلومة غير دقيقة، وهو الظن أن الرسول كان يُبشِّر بأول فتح للقسطنطينية كما بشّر بفتح مصر والعراق وغير ذلك، وهذا غير دقيق، بل سياق حديثه كان عن أحداث آخر الزمان، وكأنه يقول: في آخر الزمان سيحدث كذا وكذا، ومن جملته فتح القسطنطينة. ولا يمنع من ذلك أن يتخلل التاريخ فتحٌ يسبقه.