شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفة تاريخية حول استدلال الأشاعرة بصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهما

مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة

وعليه فإن فتح القسطنطينية في عهد محمد الفاتح ليس هو الفتح المنشود في الأحاديث، بل هو فتحٌ أهمل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لسببٍ لا يعلمه إلا الله، وهذا ينفي الاستدلال عليه في إثبات صحة مذهب معين.

أما حديث: « لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش » فهو حديث ضعيف لا يثبت( [23] ).

قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: “فتح القسطنطينية المبشَّر به في الحديث سيكون في مستقبل قريب أو بعيد، يعلمه الله عز وجل. وهو الفتح الصحيح لها، حين يعود المسلمون إلى دينهم الذي أعرضوا عنه”( [24] ).

الوجه الثاني: هل كان السلاطين العثمانيون من العدول؟

سلاطين العثمانيين رغم بعض حسناتهم التاريخية لم يكونوا مثالًا يُحتذى به، فجميع المؤرخين اتفقوا على أنهم أول من ابتدعوا جريمة قتل الأبناء والإخوة حفاظًا على الملك، وكان من قنن هذه الجريمة هو محمد الفاتح، وكتبها في قانون نامة!

وقد حاول بعض الإسلاميين المعاصرين نفي هذه القوانين، ولم يقدموا دلائل على قولهم سوى أنه لا يُعقل أن رجلًا في عدالة محمد الفاتح -الذي بشَّر به النبي في ظنهم- أن يسنّ هذه القوانين أو يقتل أخاه الصغير، ثم زعموا أن نسخة قانون نامة المحفوظة في فيينا قد كتبها الغربيون أعداء الإسلام، غير أن هذا الكلام العاطفي لا ينهض أمام الدلائل التاريخية، ولم يقبله المؤرخون العثمانيون أنفسهم.

فقد بيَّن المؤرخ د. آق كوندوز -رغم توجهه العثماني- وجود ثلاث نسخ محفوظة من القانون، ثم قال مُنتقدًا المنكرين: “ونحن نعتقد أن أساس هذا الرأي هو عدم قدرتهم على إيضاح وتفسير مادة قتل الإخوة تفسيرًا شرعيًّا”( [25] ).

ثم أورد رأي المؤرخ الكبير عبد القادر أوزجان بقوله: “إن المسألة لا يمكن حلها بإنكار هذه القوانين، والمهم هو القيام بالإيضاح الشرعي لها، وبيان مدى مناسبتها للأحكام الشرعية، وهنا نرى أن متون هذه القوانين لا تخالف الأحكام الشرعية، حسبما ادّعى بعض أعداء العثمانيين، وأيضا لا تخالف كذلك الدساتير العالمية”. ثم بدأ بعرض النسخ الخطية للقانون، والشواهد القديمة من كتب القضاة العثمانيين( [26] ).

ويقول المؤرخ محمد فريد بك -المعروف بانتمائه العثماني- متحدثًا عن محمد الفاتح: “وبعد أن أمر بنقل جثة والده إلى مدينة بورصة لدفنها بها، أمر بقتل أخ له رضيع اسمه أحمد…” ( [27] ) .

ويؤكد الدكتور راغب السرجاني -رغم تعاطفه مع الدولة العثمانية- قتل محمد الفاتح لأخيه الصغير، حيث جاء في موسوعته التي أشرف عليها: “تولى محمد الفاتح وعمره 22 عامًا، وأول ما قام به أن أعاد زوجة أبيه الصربية مارا إلى أبيها، ثم قتل أخاه أحمد الرضيع كما هو العرف السائد منذ زمن السلطان محمد الأول” ( [28] ) .

ويقول الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي -وهو معاصر للحقبة العثمانية- والعجيب أنه يجعل هذه الجريمة من فضائلهم، فيقول: «ومن فضائل آل عثمان قتل أولادهم الذكور خوفًا من الفتن وفساد ملكهم، واختلاف الكلمة وشقّ العصا بين المسلمين، وهذا الأمر لم يسبقهم إليه أحدٌ فيما أعلم، وإن كان أمرًا ينفر منه الطبع السليم بحسب الظاهر، لكنه في نفس الأمر خير كبير ونفع كثير» ( [29] ) .

الوجه الثالث: الخلاف العقدي بين الماتريدية والأشعرية وحقيقة العلاقة بينهما:

الاستدلال بفتح القسطنطينية على صحة المذهب الأشعري فيه تجاهل لواقع تاريخي وعقدي هام، وهو أن السلطان محمد الفاتح كان من الماتريدية، لا الأشعرية، وأن بين الماتريدية والأشعرية خلافات عقائدية شديدة عبر العصور، تصل في بعض المسائل إلى حدود التكفير المتبادل، ولم يحصل التقارب بينهما إلا في العصور المتأخرة، ولا شك أن السياسة كانت تلعب دورًا في تهدئة الأوضاع.

وقد أشار ابن نُجيم إلى هذا الخلاف، حيث ذكر أن الحنفية (الماتريدية) اختلفوا مع الشافعية (الأشعرية) إلى حد التكفير، وتنازعوا في جواز التزويج من بعضهم بعضًا، فقال: “اختلف فيها هكذا، قيل: يجوز، وقيل: لا يُزوجهم بنتهم، وعُلّل ذلك بتنزيلهم منزلة أهل الكتاب”( [30] ).

والتقي السبكي -رغم كونه من المتأخرين- قال: “قد علمت أن جماعة من الحنفية في هذا الزمان تكلموا في مسألة (أنا مؤمن إن شاء الله)، وقالوا: إن الشافعية -يعني: الأشعرية- يكفرون بذلك”( [31] ).

ونقل أبو المعين النسفي أن أكثر معتقدات المعتزلة والنجارية والأشعرية في مسائل خلق القرآن والتكوين صعبة على التوحيد، وهي من قبيل التكفير: “قول أكثر المعتزلة وجميع النجارية والأشعرية: أن التكوين والمكون واحد قول محال… ويكون في القول به إخراج الله تعالى من كونه خالقًا للعالم”( [32] ).

ورغم محاولة المتأخرين -مثل الإمام السبكي- تخفيف الخلاف، إلا أنه أكد وجود ثلاث عشرة مسألة خلافية بين الأشعرية والماتريدية، منها ست مسائل خلافها حقيقي، وسبع مسائل خلافها لفظي، وهو ما أكده الزبيدي والمقريزي، وخالفه البياضي وأوصلها إلى خمسين مسألة( [33] ).

وعليه، فإن القول بأن الماتريدية والأشعرية مذهب واحد أو لا فرق بينهما دعوى باطلة، لا تستند إلى الواقع العقدي أو التاريخي.

والمقصود: أن فتح القسطنطينية من السلطان محمد الفاتح لا يعد تحققًا لنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم المتعلقة بفتح القسطنطينية في آخر الزمان، ولا دليلًا على صحة المذهب الأشعري أو الماتريدي، خاصة مع وجود اختلافات عقدية بينهما.

والاستدلال بانتصارات سياسية على صحة العقيدة من أساليب الجهل والعجز عن تقديم الدليل العلمي السليم، ويجب أن يقوم الاعتقاد على الأدلة الشرعية الصحيحة والمنهج العلمي السليم، لا على المواقف السياسية أو الانتصارات العسكرية.

المطلب الثالث: استدلالهم بالحركة السنوسية:

الصفحة السابقة الصفحة التالية