شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-

مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف

وقول ابن قتيبة: (المُحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق) فيه جواز أن يكون هناك أمرٌ حادثٌ غير مخلوق.

ولا يخفي أن ابن قتيبة تلميذ إسحاق بن راهويه، وكان ينتصر لأهل الحديث. وهو من أئمة اللغة المعتبر قولهم، فلو كان حقيقة مذهب السلف يخالف ما ذكره لحكى الخلاف ولكنه، حكى ما فهمه وتقرر من مذهبهم.

♦ ابن عقيل الحنبلي:

وممن صرح بلفظ (الحدوث) أيضًا: ابن عقيل الحنبلي، على كون ابن عقيل قد تأثر بالمعتزلة في أول أمره، إلا أنه قد رجع وتاب عن ذلك، وقد ذكر ذلك عنه الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمته ( [19] ) ، لكن لما رجع إلى السنة قرر تقريرات رائقة جليلة، تفوق تقريرات أقرانه في هذا الباب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فابن عقيل إنما وقع في كلامه المادة المعتزلية بسبب شيخه أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان المعتزليين؛ ولهذا له في كتابه “إثبات التنزيه” وفي غيره كلام يضاهي كلام المريسي ونحوه، لكن له في الإثبات كلام كثير حسن، وعليه استقر أمره في “كتاب الإرشاد” مع أنه قد يزيد في الإثبات» ( [20] ) .

وفي تقرير حدوث آحاد الأفعال يقول ابن عقيل ردًّا على السالمية في زعمهم قِدم الصفات الاختيارية: «وكذلك قولهم: مستوٍ على عرشه، معلوم أنه لا يجوز منه دعوى القِدم؛ لأنه سبحانه أخبر بحدث هذه الصفة.. فصفة الاستواء على العرش حدثت بعد خلق السماوات، لا يجوز غير ذلك بظاهر العقل ونص القرآن؛ لأنه لو كان لم يزل سبحانه مستويًا كان إخباره بأنه استوى بعد خلقها إخبارًا على سبيل المُحال تعالى عن ذلك، فكان يُفضي إلى قِدم المستوى عليه وهو العرش، وثبت بإجماع الأمة حدث العرش… -إلى أن قال:- قولنا: (ينزل إلى السماء الدنيا) وما أشبه ذلك كان بعد أن لم يكن، والدلالة على أنها صفة تجددت أنه قال: (في كل ليلة)، ولا يحسن أن يُقال: إنه في الأزل نازل» ( [21] ) .

ويقول محاججًا الأشاعرة في توالي وتعاقب الحروف: «ولا يخلو أن تكون حروفًا متوالية أو غير متوالية، فإن كانت متوالية بطل ما قالوه، وإن كانت غير متوالية فيعكسونها في القرآن، وذلك أن يقولوا: (صعيهك)، وهذا إن بلغوا إليه كفروا؛ لأنها إن كانت قرآنًا لم يجز تغييرها، وإن لم تكن قرآنًا عندهم كفروا» ( [22] ) .

يريد من ذلك أن تتابع الحروف لازم للقرآن، وهو ما يلزم منه الحدوث.

♦ الكرجي القصاب:

قال رحمه الله: «الاستيلاء إذا كان اسمًا واقعًا على الغلبة والقهر، فلا يجوز أن يكون في الله حادثًا، لأنه جل وتعالى قاهر غالب في الأول، والاستواء يجوز أن يحدثه بعد خلق العرش، فقوله: ﴿ثُمَّ ٱستَوَىٰ عَلَى ٱلعَرشِ﴾ [السجدة: 4] بيَّن أن الاستواء بعد خلق السموات والأرض» ( [23] ) .

ففي هذا النقل صرح الكرجي بحدوث الاستواء بعد خلق العرش، ووصف الاستواء بالحدث، ومراده الحديث أو الجديد، وليس مراده المخلوق المنفصل.

وهو ما يؤكد أن بعض أهل الحديث استخدموا لفظة «الحدوث» دون غضاضة، وجعلوه حدوثًا غير مخلوق. وكما يقال: العبرة بالمضامين والمعاني لا بالألفاظ والمباني، فسواء سميناه حدثًا أو فِعلًا، فالعبرة بالمضامين.

♦ أبو النصر السجزي الوائلي:

يقول السجزي -فيما نقله ابن تيمية عنه-: «﴿إِنَّمَا أَمرُهُ إِذا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 2] فبيَّن رحمه الله أنه قال لآدم بعد أن خلقه من تراب: (كن)، وأنه إذا أراد شيئًا يقول له: (كن)؛ فيكون، ولم يقتضِ ذلك حدوثًا ولا خلقًا بعد حدوث نوع الكلام؛ لِما قام الدليل على انتفاء الخلق عن كلام الله تعالى» ( [24] ) .

ففي هذا النقل يؤكد السجزي تجدد نوع الكلام في أوقاتٍ مخصوصة، حيث صرح بقوله: (حدوث نوع الكلام)، والنوع هنا ليس المقصود به حدوث الصفة ذاتها كما تقول الكرامية، فإن هذا لا يُظن بالسجزي، وإنما يقصد تجدد الكلام في المرة الواحدة في وقتٍ مخصوص، ولا يستلزم ذلك حدوثًا مخلوقًا.

ومما يؤيد أنه أراد تجدد الفعل الاختياري قوله: «ولم يَقْتَضِ ذلك حدوثًا ولا خلقًا»، وهذا الاحتراز لا معنى له إن لم يكن يريد به التجدد، فإن القول بمشيئة الإسماع -كما هو مذهب القاضي- لا تقتضي هذا الاحتراز والتقييد.

وخلاصة ما سبق:

يتبيَّن أنه ليس كل أهل الحديث تجنبوا لفظة الحدوث، بل بعضهم صرح بها، وإن كان جمهورهم اجتنب هذه اللفظة، أو تناقض أحيانًا.

وأن الذين استعملوا هذا اللفظ هم مع ذلك على مذهب السلف من إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، لكن بعضهم يُعبر عنها بالحدث، وبعضهم يُعبر عنها بالفعل.

ومن الخطأ البيِّن الزعم أن مذهب الإمام أحمد مختلف عن مذهب البخاري وابن قتيبة وابن عقيل والكرجي وغيرهم، والادعاء بوجود مذهبين لأهل الحديث، بل جميعهم على مذهب واحد، إنما بعضهم يُعبر بأسلوب والآخر يعبر بأسلوب آخر، وكُنه مذهبهم واحد.

المبحث الثالث: بيان اضطراب الحنابلة وأهل الحديث في مصطلح (القديم) و(المحدث):

من الملاحظ أنه بعد شيوع الجدل الكلامي في قضايا الصفات والكلام الإلهي أنه قد وقع الخلط من بعض أتباع المذهب الحنبلي وجماعات من أهل الحديث في استعمال بعض المصطلحات الكلامية؛ وذلك مثلما وقع في استعمالهم مصطلح «القديم»؛ حيث استعملوه في معرض نفي الخلق عن القرآن الكريم، فقالوا: «القرآن قديم غير مخلوق»، معتقدين أن هذه العبارة مجرد مرادف لقولهم: «غير مخلوق»، وبعضهم يُطلق القديم ويقصد أن الله تكلم به قبل الخلق، أي: القدم النسبي، وليس القدم الأزلي -كما سيأتي-.

غير أن هذا الاستعمال فيه قدر من المسايرة اللفظية لاصطلاح المتكلمين، دون استحضار خلفياته الفلسفية والكلامية الدقيقة.

فبينما كان نفي «الخلق» عن كلام الله تعالى عند السلف يعني نفي أن يكون حادثًا مخلوقًا ككلام البشر، تسرب إلى هذا الخطاب مصطلح «القديم» الذي شاع في البيئة الكلامية بوصفه مقابلًا للمحدث، وعرّف عند المتكلمين بأنه: (ما لا أول لوجوده) وهذا المعنى لم يكن مستقرًّا في الاستعمال الشرعي أو اللغوي المبكر، حيث ارتبطت لفظة «قديم» في استعمالات القرآن واللغة كثيرًا بما هو متقدّم زمنيًّا أو عتيق، دون اشتراط الأزلية المطلقة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية