اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-
مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف
وقد نبه عدد من العلماء من مذاهب متعددة إلى هذا الخلط الحاصل في استعمال لفظ «قديم» عند بعض أهل الحديث والحنابلة:
♦ ابن عقيل الحنبلي:
لفت ابن عقيل إلى هذا الخلط المفاهيمي في استعمال مصطلح «قديم»، مبينًا أن استعماله لا يخلو من الجهل بدلالته الدقيقة.
يقول ابن عقيل: «وأرى الناس في زماننا هذا قد أُغرُوا بلفظة «قديم»، فمهما أرادوا إكرامه -يعني: القرآن- قالوا: قديم؛ فإما جهلًا منهم بمعنى القديم، وأنه ما لا أول لوجوده، أو يظن بمعنى عتيق» ( [25] ) .
وهذا النص يبرز إدراك ابن عقيل لانفصال مصطلح «القديم» عن معناه الفلسفي عند كثير من المنتسبين إلى المذهب الحنبلي، وتأكيده أن استعمالهم للفظ لا يصحّ دون فهم معناه الدقيق، وهو ما يعكس خللًا منهجيًّا في تبنّي مصطلحات الفرق الكلامية.
♦ ابن الملاحمي الخوارزمي المعتزلي:
ومن خارج المدرسة الحنبلية أشار الخوارزمي المعتزلي إلى هذه الظاهرة، منتقدًا ما رآه من استخدام غير دقيق لمصطلح «قديم» من قِبل أصحاب الحديث.
قال الخوارزمي: «ذهب أصحاب الحديث والحنابلة إلى أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى، وأنه قديم غير مخلوق ولا محدث». ثم أضاف: «قال أصحابنا: إن أكثر أصحاب الحديث لا يُحصّلون معنى القديم، وأنه هو الذي لا أول لوجوده» ( [26] ) .
ومقصوده أن أصحاب الحديث لا يُدركون أن معنى القديم هو الذي لا أول لوجوده.
وهذا النص يُظهر بوضوح أن المعتزلة لاحظوا تبنّي أهل الحديث لمصطلحات عقدية دون الإحاطة الكاملة بمضامينها الكلامية الدقيقة، مما جعلهم عرضة لتناقضات مفهومية، خاصة وأن القول بقدم القرآن إذا أُخذ على إطلاقه يُفضي إلى القول بأزليته الذاتية، وهذا معناه أن الله لم يزل ينادي موسى في الأزل، وهو ما لا يقبله عقلٌ صريح ولا نقلٌ صحيح.
وعلى الرغم من أن كثيرًا من محققي أهل الحديث يثبتون لله تعالى صفة الفعل الاختياري المتجدد بمشيئته، فإن محاولة مواجهة المعتزلة بنفي خلق القرآن من خلال استعارة لفظ «القديم» لم تكن دومًا واعية لما تحمله هذه الكلمة من حمولة فلسفية قد تؤدي إلى إشكالات أكبر، كإثبات أزلية القرآن بعينه، وهو ما يستلزم قدم الحروف والأصوات حرفًا حرفًا، وهذا ما لا يقول به كثير من أهل الحديث أنفسهم.
♦ أبو عمر الجاحظ:
قد أشار الجاحظ في بعض رسائله إلى أن كثيرًا من أهل الحديث، وإن كانوا يرفضون إطلاق لفظ «الخلق» على القرآن، إلا أن مضمون قولهم يقتضي إثبات الحدوث بمعناه اللغوي، أي: التجدد والوقوع بعد أن لم يكن، لا الحدوث بمعنى الخلق المخلوق.
يقول الجاحظ في رسالته في النابتة: «ثم زعم أكثرهم أنَّ كلام الله حسن وبيِّن، وحُجَّةٌ وبرهان، وأنَّ التَّوراة غير الزَّبور، والزَّبور غير الإنجيل، والإنجيل غير القرآن، والبقرة غير آل عمْران، وأنَّ الله تولَّى تأليفه، وجعله برهانه على صدق رسوله، وأنَّه لو شاء أن يزيد فيه زاد، ولو شاء أن ينقص منه نقص، ولو شاء أن يبدِّله بدَّله، ولو شاء أن ينسخه كلَّه بغيره نسخه، وأنَّه أنزله تنزيلا، وأنَّه فصَّله تفصيلا، وأنَّه بالله كان دون غيره، ولا يقدر عليه إلا هو، غير أنَّ الله مع ذلك كلَّه لم يخلقْه. فأعطوه جميع صفات الخلْق ومنعوا اسم الخلق!…» ثم أضاف: «صنعه وجعله وقدّره وأنزله وفصّله وأحدثه، ومنعوا خلقه!» [27] ) ) .
إن تأمل هذه العبارات الأخيرة من الجاحظ يكشف عن إدراكه أنّ أهل الحديث وإن أنكروا لفظ «الخلق» إلا أنهم قد وصفوا القرآن بأوصاف الحدوث من حيث التفصيل والتقدير، مما يدل على أنهم يقرّون بحدوثه بمعنى التجدد، وإن تحفظوا على تسميته مخلوقًا.
ويقول الجاحظ أيضًا في نفس الرسالة متحدثًا عن أحمد بن حنبل: «والعجب أنَّ الذي منعه بزعمه أنْ يزعم أنَّه مخلوقٌ أنَّه لم يسمع ذلك من سلفه، وهو يعلم أنَّه لم يسمع أيضًا عن سلفه أنّه ليس بمخلوق. وليس ذلك بمهم، ولكن لما كان الكلام من الله يقال عندهم على مثل خروج الصَّوت من الجوف، وعلى جهة تقطيع الحروف وإعمال اللِّسان والشَّفتين، وما كان على غير هذه الصُّورة والصِّفة فليس بكلام» [28] ) ) .
ويُستفاد من هذا التحليل أن الجاحظ فهم من أقوالهم وتصرفاتهم أنهم قائلون بحدوث الكلام المُعين، وقد شرح مقصودهم تفصيليًّا، ولو فهم عنهم: أن الكلام هو مشيئة الإسماع أو أن الحروف مقترنة في الأزل والله يكشف الحجب عنها -كما هو مذهب القاضي- لما شرح الجاحظ مذهبهم على هذا النحو.
والجاحظ وإن كان معتزليًّا إلا أنه كان معروفًا برجاحة عقله، وحدة ذكائه، وسعة اطلاعه، ويُستبعد عن مثله أن يكذب على خصمه، وإن كان بالطبع -هو كغيره- لا يخلو كلامه من شوائب يظنها لازمة لمذهبهم.
والمقصود أن الجاحظ -رغم نقده لهم- يضع يديه على مفارقة لغوية ومنهجية دقيقة في الخطاب العقدي لأهل الحديث، وهي الجمع بين مفردات الحدوث ومعانيه، وإنكارهم للفظه.
♦ ابن برهان البغدادي:
يشير ابن برهان البغدادي الشافعي الأشعري إلى أن أهل الحديث -أو ما يُسميهم بالمشبهة- لم ينكروا حقيقة «الحدوث»، وإن تجنبوا إطلاق المصطلح نفسه، ظنًّا منهم أن في ذلك ما يوهم النقص في حق الله تعالى.
يقول في معرض حديثه عن المشبهة: «اعلم أن المشبهة ما اتفقوا على جحد الضرورة، فإنهم إذا سُئلوا عن الحروف: متى ابتدئ بها؟ ومتى ختمت؟ قالوا: في الوقت الفلاني، وهذا تصريح منهم بالحدوث، وإن استعفوا من إطلاق اسم الحدوث عليها، لأنهم ظنوا أن في ذلك نقصًا في حق الله، وهذا عذرهم في المنع سواء صح أو فسد» ( [29] ) .
وهذا النص يظهر كيف كان بعض الحنابلة وغيرهم يتحاشون استعمال لفظ «الحدوث» خشية ما يوهمه من معاني النقص، مع إقرارهم الضمني بوقوع المعنى نفسه عند توصيفهم للفظ القرآني بأنه ابتدئ في وقت معين وخُتم في وقت معين، وهو ما يُعدّ إقرارًا بوقوع «حادث» في الزمن.
♦ رأي ابن تيمية: