اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-
مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف
تعمدنا إرجاء عرض كلام ابن تيمية إلى هذا الموضع التزامًا بالمنهج الموضوعي، ولاعتبار أن بعض المعاصرين يشككون في اعتماده ممثلًا لمذهب أهل الحديث، على الرغم من أن ابن تيمية يقدم قراءة دقيقة لهذا الإشكال الاصطلاحي في تعامل كثير من الحنابلة المتأخرين مع مصطلحي «القِدَم» و«الحدوث»، حيث يشير إلى أن الخلط بينهم شائع لدى بعضهم، وأن كثيرًا منهم لم يميز بين كونه «غير مخلوق» وكونه «أزليًّا لم يزل».
يقول ابن تيمية: «وكثير من هؤلاء لا يفهم معنى القديم، بل إذا استفسرته عنه قال: يريد به أنه غير مخلوق، ولا ريب أن كلام الله غير مخلوق كما اتفق عليه السلف والأئمة، ولا ريب أن القرآنَ كلَّه كلامُ الله، ليس شيء منه كلامًا لغيره، لا جبريل ولا غيره، والقرآن العربي كلام الله، والله نادى موسى بصوت، وينادي عبادَه يوم القيامة، كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، لكن هؤلاء ظنوا أن السلف أرادوا بذلك أن ما ليس بمخلوق يكون قديم العين، وأن الله لا يتكلم بمشيئته وقُدرته، ولم يفرقوا بين قديم النوع وقديم العين» [30] ) ) .
ويُتمّم هذا المعنى بقوله في موضع آخر: «ومن هؤلاء من يقول: (هو قديم) ولا يفهم معنى (القديم)، فإذا سئل عن ذلك قال: (هي قديمة في العلم)، ولا يعلم أن المخلوقات كالسماء والأرض بهذه المثابة مع أنها مخلوقة، ومنهم من يقول: (قديم) بمعنى أنه (متقدم على غيره)، ولا يعرف أن الذين قالوا: (إنه مخلوق) لا ينازعون في أنه (قديم) بهذا المعنى، ومنهم من يقول: (إن مرادنا بأنه قديم أنه غير مخلوق)، ولا يفهم أنه مع ذلك يكون أزليًّا لم يزل، وهؤلاء سمعوا ممن يوافقهم على أنه (غير مخلوق) قالوا: هو (قديم)، فوافقوا على أنه (قديم) ولم يتصوروا ما يقولونه» [31] ) ) .
ومجمل كلام ابن تيمية يصبّ في أن الإشكال في المضمون أحيانًا، وفي الاصطلاح أحيانًا، إذ إن بعض المتأخرين حين قالوا: «إن كلام الله قديم» فهموا من «القدم» مجرد كونه «غير مخلوق» أو «متقدّم على غيره»، لا بالمعنى الفلسفي الذي يفيد «القدم الذاتي» و«اللازمنيّة». ومن ثم فإن هذا الفهم لا يخرجهم بالضرورة عن إقرارهم بأن الله تكلم بكلام حادث بمشيئته في وقت مخصوص، أي: أن الكلام «قديم النوع حادث الآحاد».
ويبدو هذا الخلط جليًّا في كلام الحسن بن حامد؛ حيث يقول: «ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلما بالقرآن قبل أن يخلق الخلق» ( [32] ) . وبنحوه يقول الأصبهاني: «لأن الله تعالى تكلم به في القِدم، فلما بعث محمدًا أنزله عليه» ( [33] ) .
ومحل الخطأ في كلام ابن حامد والأصبهاني أن الكلام قبل الخلق مثل الكلام بعد الخلق؛ هو قِدم نسبي وليس في ذلك موضع نزاع مع المعتزلة والأشاعرة -كما أشار ابن تيمية-؛ لأن مشكلتهم الأساسية ليس في الكلام قبل الخلق أو بعده، وإنما النزاع في أن الكلام في وقت معين مما يوجب الحدوث عندهم.
ويبدو هذا الخلط أيضًا وبصورة أوضح في كلام أبي الفرج الشيرازي الحنبلي، حيث قال في معرض رده على الأشاعرة: «حدّ القديم موجود في الكلام مع كونه مُرتبًا، لأن حدّ القديم ما كان مُتقدمًا على غيره. والدليل على صحة هذا هو أنهم يقولون: جسرٌ قديم، وبئرٌ وبناءٌ قديم؛ لتقدمه على غيره» ( [34] ) .
وهذه الأمثلة التي ضربها الشيرازي: (جسرٌ قديم) و(بئرٌ قديم) هو قدم نسبي، وليس القدم الأزلي، وقد وقع في نفس الخلط الذي وقع فيه الحسن بن حامد والأصبهاني؛ فخصومه من الأشاعرة لا ينازعونه في أن القرآن متقدم على غيره، أو تكلم الله به قبل الخلق؛ فهذه المسألة غير مؤثرة في البحث لديهم، لأن النزاع الحقيقي هو في إمكان أن يتكلم الله بكلام بمشيئته، سواء تكلم به قبل الخلق أو بعد الخلق.
على أننا ننبه أنه ليس كل الحنابلة وأهل الحديث لم يفهموا لفظة (القديم)، بل بعضهم تابع أصول المتكلمين ونفى صفات الفعل الاختياري، وبالتالي قال بقدم الكلام المعين، ومن هؤلاء: مدرسة القاضي أبي يعلى الحنبلي رحمه الله.
إذن يُمكن إجمال مراد أهل الحديث والحنابلة بمصطلح القديم على معانٍ:
1- المعنى الأول:
هو القدم الأزلي للكلام المُعين، أي: أن القرآن أقنوم قديم لم يزل بحروفه، وهذه طريقة من ينفي الكلام بالمشيئة، وقالوا في كلام الله لموسى: لم يكلمه بمشيئته، بل كشف له عن كلامه القديم وأسمعه كلامه، وهذه طريقة القاضي أبي يعلى ومدرسته كابن الزاغوني وغيره، ووقعوا بسبب ذلك في لوازم فاسدة أنكرها عليهم المتكلمون.
2- المعنى الثاني:
هو أن يكون «القِدم» لديهم بمعنى «غير مخلوق»؛ لأن التقسيم الشائع في زمانهم -بعد القرن الرابع الهجري- كان (قديم ومخلوق)، إذ لم يعرفوا إلا تلك القسمة الثنائية، فيرون أن هذا قسيم ذاك، فيقولون: القرآن قديم، أي: غير مخلوق، ومرادهم مجانبة قول الأشعرية في المخلوق المنفصل، وهو معنًى صحيح.
يقول ابن تَيميَّة: «ومنهم -أي من أهل الحديث- من يقول: إن مرادنا بأنه قديم أنه غير مخلوق، ولا يفهم أنه مع ذلك يكون أزليًّا لم يزل، وهؤلاء سمعوا ممن يوافقهم على أنه غير مخلوق قالوا: هو قديم، فوافقوا على أنه قديم ولم يتصوروا ما يقولونه» ( [35] ) .
3- المعنى الثالث:
هو أن يكون المراد بـ(القديم) القدم الإضافي النسبي لا القدم الذاتي، فيقولون: هو قديم، أي: تكلم الله به قبل الخلق، كما تقول: بيتٌ قديم، عرجون قديم، بئرٌ قديم، وهذا صرح به بعضهم، وأقر بهذه الإشكالية ابن عقيل وابن الملاحمي وابن تيمية -كما سبق بيانه-.
4- المعنى الرابع:
أرادوا بالقديم نوع الكلام، وهو وجه آخر تأوله ابن تَيميَّة لهم؛ فقال -وهو يتكلم عن بعض القائلين بالأفعال الاختيارية-: «وأصحاب هذا القول قد يقولون: إن كلامه قديم، وأنه ليس بحادث ولا مُحدَث، فيريدون نوع الكلام؛ إذ لم يزل يتكلم إذا شاء، وإن كان الكلام العيني يتكلم به إذا شاء، ومن قال: ليست تحل ذاته الحوادث، فقد يريد به هذا المعنى، بناء على أنه لم يحدث نوع الكلام في كيفية ذاته. وقال أبو عبد الله بن حامد في أصوله: ومما يجب الإيمان به والتصديق أن الله يتكلم، وأن كلامه قديم وأنه لم يزل متكلمًا في كل أوقاته بذلك موصوفًا، وكلامه قديم غير محدَث، كالعلم والقدرة» ( [36] ) .