إعادة قراءة النص الشرعي عند النسوية الإسلامية.. الأدوات والقضايا
مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان
وهذه الفكرة أساس كل الأفكار النسوية الأخرى التي يعيدون قراءة النصوص لأجلها أيضا، مثل: الحرية الجسدية، وإلغاء القوامة أو التسلط الأبوي (الذكوري)، وحتى مساواتها بالرجل في الميراث، والشهادة، وغير ذلك.
وهذه الفكرة هي أولى الموضوعات التي نادت بها النسوية سواء في الشرق أو الغرب، وقد تحدث مؤلفو كتاب “الحركة النسوية” عن بدايات الحركة النسوية وبذورها، فذكروا أن من أقدم من سعى إلى ذلك (أوليمب) في القرن الثامن عشر، حيث نشرت (إعلان حقوق النساء) ردًا على إعلان الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، وطالبت بالمساواة بين الرجل والمرأة في القانون والحكومة والتعليم ( [16] ) .
ونرى هنا أن المطالبات في البداية حول التعليم والقانون وحق التصويت، لكن لم يكن الأمر هكذا دائما، فالتطور الذي حصل في النسوية في طلب المساواة تجاوز هذه الموضوعات القديمة، وكان شعار المرحلة الجديدة: إلغاء سلطة الرجل (الأبوية)، تقول سارة جامبل: “النسوية بالنسبة للنساء اللاتي ولدن بعد عام ١٩٢٠م ليست إلا ماضيًا انتهى، فقد انتهت كحركة نشطة في أمريكا مع اكتساب المرأة ذلك الحق الأخير وهو الحق في التصويت… العلاقة بين هذه النسوية الجديدة لتحرير المرأة والنسوية القديمة الداعية للمساواة في الحقوق مسألة أكثر تعقيدا من ذلك. ففي أغلب الأحوال يميل الكثيرون إلى وضع حد فاصل بين الاتجاهين… تحرير المرأة ينطوي على بعض الخيوط التي تعود للحركة النسوية القديمة للمساواة في الحقوق، ولكنها أكثر من مجرد مسألة المساواة… إن الموجة الأولى في أهم ثورة في التاريخ هي الكتابات النسوية والدعوة المبكرة لحقوق المرأة. وبعد أن توقفت هذه الحركة لمدة خمسين عامًا بسبب الهجوم المضاد عليها، عادت للظهور من جديد في صورة هجمة نسوية، وقد تتمكن هذه الحركة كما تقول كيت ميليت من أن تحقق هدفها أخيرا وهو: تحرير نصف الجنس البشرى من التبعية التي يعيشها من قديم الزمان من السياسات القائمة على التحيز للرجل” ( [17] ) .
وإعادة قراءة النصوص القرآنية المتعلقة بالمساواة ضرورة لجأ إليها النسوية، والأصل أن النسوية قد مارست في الأصل نقدا حادًّا على الأديان، وظهرت محاولات لإلغاء جميع التفاسير للكتاب المقدس، وترى سارة جامبل أن نصوص القرآن الكريم يجب إعادة قراءتها لنلغي التحيز، أو أفضلية الرجل، فقصة خلق الخلق مثلا والتي جاءت في الكتاب المقدس والقرآن الكريم يعطي أفضلية للرجل في النصوص غير القرآنية فقط كما ترى سارة، فالنصوص القرآنية حول الخلق يمكن أن تفهم على أنها مساواة لكن يجب أن لا تتدخل أي نصوص أخرى، تقول: “تقدم فيها قصة الخلق في القرآن في إطار الآثار المكونة من المواد غير القرآنية في كتب الحديث التي ترى أنها تأثرت بالمرويات التي تنطوي على كراهية المرأة، خصوصًا المسيحية منها حسب فهمهم للإصحاحين الثاني والثالث في سفر التكوين. وتكشف عن روح العدل والمساواة في القرآن التي يطغى عليها تفسير أصحاب المصلحة الثابتة في الإبقاء على الموقف الأبوي الراهن” ( [18] ) .
ومن أشهر من حاول إعادة قراءة النصوص الشرعية لتتلاءم مع الأفكار النسوية: أمينة ودود ( [19] ) ، فهي تنطلق في دراساتها وطروحاتها من القرآن تبريرًا وتدعيمًا لكل ما تتبناه من أفكار تتماشى ومناخ الحداثة التي تربّت في كنفها ولا تبتعد عن الدين في الوقت نفسه، وترى في كتبها أنها مؤمنة بأنّ حقوق المرأة مكفولة في الإسلام قبل ظهور حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها بالعالم الغربي.
فهم يرون أن المساواة المطلقة التي يريدونها قد أتى القرآن الكريم بها، بل الأمر أبعد منذ ذلك -ونحن لا زلنا نقرر أنهم يرون أن المساواة إسلامية شرعية-، فهي ترى أن القرآن لا يربط بين الجنس والجندر، ولا بين الجنس وتقسيم العمل، ولا بين خصائص ذكورية وأنثوية، وبين النساء والغريزة والعاطفة، بل على العكس؛ لا يُضفي القرآن على البشر طبيعة ثابتة، بل يُمثلون الكليَّة، فالقرآن أشار إلى -وهنا إشارة إلى الآيات التي يعيدون قراءتها- خلق البشر من نفس واحدة، ويؤكد المساواة بين الجنسين في السلوك الأخلاقي أمام الله، حيث إن المعيار الوحيد للتمييز في الإسلام هو معيار سلوكي وأخلاقي وليس جنسيًّا ( [20] ) ، والإشارة هنا إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].