شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إعادة قراءة النص الشرعي عند النسوية الإسلامية.. الأدوات والقضايا

مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان

ومن الأدلة التي يعتمدون عليها بشكل أساسي في إظهار مساواة المرأة بالرجل في الإسلام: أن الله سبحانه وتعالى قد وحد ذكرهما سواء في الخطاب أو الإشارة إليهما، تقول رفعت حسن: “ولو أننا قمنا بتحليل وصف خلق الإنسان كما يرد في القرآن فسنرى الله يستخدم كلمات وصورًا مذكرة ومؤنثة بشكل متساوٍ في وصف خلق البشر من مصدر واحد. وتشير كثير من آيات القرآن ضمنيًّا إلى أن خلق الله الأول كان خلقًا لبشر لا متمايزين (undifferentiated) وليس خلقًا لرجل أو امرأة” ( [21] ) ، وهذه الآيات التي تريدها هنا هي مثل قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فالإنس هنا يشمل الذكر والأنثى، ثم قالت: “ولو كان القرآن لا يميز بين خلق الرجل وخلق المرأة -وذلك واضح بجلاء- فلماذا إذن يعتقد المسلمون أن حواء قد خلقت من ضلع آدم؟! وبالرغم من أن كل المسلمين تقريبًا يقبلون قصة خلق المرأة التي ترد في سفر التكوين، فمن الصعب أن نقول بأن تلك القصة قد دخلت تراث الدين الإسلامي مباشرة، إذ إن عددًا قليلًا من المسلمين يقرؤون الكتاب المقدس. والاحتمال الأقرب أن ذلك الاعتقاد قد أصبح جزءًا من تراث الدين الإسلامي عن طريق استيعابه في تراث الحديث. وتقدم لنا عدة أحاديث أدلة واضحة على تضمين فكرة خلق المرأة من ضلع آدم التي ترد في سفر التكوين داخل تراث الحديث. تحمل ستة من بين تلك الأحاديث أهمية خاصة حين نری ما كان لها من تأثير فعال في تشكيل نظرة المسلمين لوجود المرأة وجنسانيتها (sexuality) في طبيعتها المتمايزة عن وجود الرجل وجنسانيته” ( [22] ) . فالخطاب القرآني إذن خطاب غير مميز، بل هو خطاب يساوي بين الرجل والمرأة، وهذا التفضيل أو التمايز بين الرجل والمرأة دخل على المسلمين من قبل الأحاديث التي نُقلت إلى المسلمين عبر الثقافة اليهودية والنصرانية! ثم تقول: “أما من الناحية الفقهية فقد بدأت قضية إخضاع النساء في تراث الدين الإسلامي (كما في التراثين اليهودي والمسيحي) بقصة خلق حواء. وفي رأيي أن المجتمعات الإسلامية المتمركزة حول الرجال -والتي يتحكم فيها الرجال- لن تقر بالمساواة الواضحة التي تظهر في مقولات القرآن عن خلق البشر ما لم ترجع المسلمات إلى تلك النقطة الأصلية وتثرن الجدل حول صحة الأحاديث التي تجعل كل بنات جنسهن أدنى شأنًا من الناحية الأنطولوجية، كما تجعلهن معيبات دون أدنى أمل في الإصلاح” ( [23] ) .

وقد ذكرت أنهم يستدلون بآيات المساواة في الخطاب أو الجزاء، منها:

قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].

وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124].

وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 71، 72].

تقول معلقة: “لا ينص القرآن على المساواة التامة بين الرجال والنساء أمام الله فحسب، بل على أنهم أولياء بعضهم من بعض. ويقول آخر: لا يخلق القرآن تسلسلًا تراتبيًا (hierarchy) يجعل فيه الرجال في مكانة أعلى من النساء (كما يفعل كثير من واضعي أسس الدين المسيحي). كما أن القرآن لا يضع الرجال في موضع التناحر مع النساء كما لو أنهم في علاقة عداء. لقد خلقهم معًا إله واسع عادل ورحيم بوصفهم مخلوقات متساوية، إله يغبطه أن يعيشوا سويًا في وئام وصلاح. وعلى الرغم من تأكيد القرآن المساواة بين الرجال والنساء نجد أن المجتمعات الإسلامية بصفة عامة لم تر الرجال والنساء متساوين، وبخاصة في سياق الزواج” ( [24] ) .

ومن الأدلة التي ذكرتها النسوية آمنة ودود في كتابها “القرآن والمرأة” أن الله سبحانه وتعالى قد أوحى إلى أم موسى عليه السلام، وتعيد ما ذكرته رفعت وغيرها من أن الله لم يبدأ خلقه بآدم، تقول: “لم يبدأ الله خلق الإنسان بالذكر، كما أنه لم يشر إلى أصول الجنس البشري بآدم، حتى إن القرآن لم يذكر أيضا أن الله بدأ خلق الإنسان بنفس آدم وهو الرجل” ( [25] ) ، والقضية لا تقف عند المساواة بل تذويب الفروق، وحتى هذا يجعلونه شرعيا، تقول: “وعلى الرغم من أن القرآن يثبت خلق الإنسان في شكل زوج ذكر وأنثى {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} [فاطر: 11]، ويميز بينهم {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36] إلا أنه لا يعزو خصائص صريحة لواحد منهما أو للآخر على وجه الخصوص… هذا فضلا عن أن الأنوثة والذكورة ليست خصائص خلقية مطبوعة في الفطرة الأساسية للذكور والإناث” ( [26] ) .

ولا أريد الإطالة أكثر، لكن أشير إلى أن كثيرا من القضايا إنما هي متفرعة عن هذه القضية الأساسية في كتابات من يريد شرعنة النسوية.

2- القوامة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية