الحالة السلفية عند أوائل الصوفية
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب
اتباع الصحابة والتابعين:
الكل يدَّعي الرجوع إلى القرآن والسنة، ولا تصحّ هذه الدعوى إلا بشرط مهمّ مميِّز بين الصادق والمدَّعي، وهو الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة والتابعون علمًا وعملًا، فهم كانوا التنزيل غير المعصوم للقرآن والسنة باعتبار أفرادهم، وهم حجة الله على من بعدهم في الأصول الجامعة التي بنوا عليها دينهم وحياتهم، وهذا هو القول الفصل بين أدعياء الصوفية وبين صادقيهم من المتقدمين، وشهاداتهم في هذا وتحريراتهم كاشفة مبيّنة.
سئل أبو الفيض ذو النون ثوبان بن إبراهيم النوبي الإخميمي المصري (ت 245هـ) -وهو من محققي الصوفية- عن المحبة ، فقال: ( المحبة أن تحب ما أحب الله تعالى، وتبغض ما أبغضه الله تعالى، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغلك عن الله، وأن لا تخاف في الله لومة لائم، مع العطف على المؤمنين، والغلظة للكافرين، واتباع أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدين) ( [35] ).
وقال أبو بكر الطمستاني( [36] ): ( الطريق واضح، والكتاب والسنة قائمة بين أظهرنا، فمن صحب الكتاب والسنة، وعزف عن نفسه والخلق والدنيا، وهاجر إلى الله بقلبه، فهو الصادق المصيب، المتبع لآثار الصحابة؛ لأنهم سُمّوا السابقين لمفارقتهم الآباء والأبناء المخالفين، وتركوا الأوطان والإخوان، وهاجروا وآثروا الغربة والهجرة على الدنيا والرخاء والسعة، وكانوا غرباء، فمن سلك مسلكهم واختار اختيارهم كان منهم، ولهم تبعا) ( [37] ).
وأما القشيري صاحب (الرسالة) فيقول في تفسير قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43]: ( تقتدي بآثار السلف في الأحوال، وتجتنب سنن الانفراد، فإن الكون في غمار الجمع أسلم من الامتياز من الكافة) ( [38] ). وهذا من التفسير الإشاري عندهم، وقد تكلم علماؤنا فيه. وعلى كل حال فقد كانت « أصول مذهبهم المؤيد( [39] ) المنوط بمتابعة كتاب الله عز وجل، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، والتخلق بأخلاق الصحابة والتابعين، والتأدب بآداب عباد الله الصالحين» ( [40] ) . فانظر كيف جعل الطوسي طريقهم مخصوصة بأصول أربعة، كأنها عصمة الاستدامة للنهج النبوي الأول، اللاحق منها فرع عن سابقه، وهي المتابعة القرآنية، والاقتداء النبوي، والتخلق السلفي، والتأدب الصالحي، وقد جعل القشيري هذا أصل رسالته إلى جماعات الصوفية في عصره، وقال لهم : ( اعلموا -رحمكم اللَّه- أَن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم عَلَى أصول صحيحة فِي التوحيد، صانوا بِهَا عقائدهم عَنِ البدع، ودانوا بِمَا وجدوا عَلَيْهِ السلف وأهل السنة »( [41] ).
وقد عقد الطوسي في اللمع فصلا خاصا بالصحابة، وذكر طائفة من أقوال مقدميهم، ونتفا من أحوالهم، ثم ختم بقوله: « والمؤمنون مندوبون إلى التعلق بمثل هذه الأفعال، والتخلق بأخلاقهم فيما أتوا به من أنواع الطاعات، ونطقوا به من أنواع الحكم »( [42] )، وجمعه قول الخركوشي: « والله ولي التوفيق للاقتداء بهم جميعا، فإن الاهتداء بهم على حسب ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم »( [43] ).
ومثله الشيخ زروق البرنسي المغربي في قوله: « اعلم أن الأوائل من القوم لم يكن لهم ترتيب في المشيخة معروف، ولا اصطلاح في السلوك مألوف، وإنما كانت عندهم الصحبة واللقاء، فكان الأدنى منهم إذا لقي الأعلى استفاد برؤيته أحوالا، لأن من تحقق بحالة لم يخل خاطره منها، والأحوال مورثة »( [44] )، فتصريحهم بوجوب التشبّث بالأصول الإسلامية عام في الأزمنة كعمومه في الأمكنة، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وفي هذا إشارة لطيفة وقوية إلى نقض دعوى اشتراط الشيخ المربي الواحد، فـ« أمر الاهتداء إلى الله تعالى وصلاح النفس وتزكيتها لا يتوقف على التزام شيخ، وإنما يتوقف على التزام العلم والعمل الذي أمر الله به، وتضمنه الكتاب والسنة وسلوك السلف الصالح من الأمة، فأي إنسان مسترشد عمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرة الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، فقد سلك طريق الهدى، وتوجَّه إلى الله تعالى راشدًا مهديًّا… فالشيخ أو المرشد عند المحاسبي هو القرآن والسنة الشريفة »( [45] ).
أما الختم هنا فبكلام جميل جدًّا، عن أحمد بن أبي الحواري، عن أخيه محمد عن علي بن الفضيل بن عياض أنه قال لأبيه الفضيل: يا أبت، ما أحلى كلام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم! فقال: يا بني، وتدري لم حلا؟ قال: لا يا أبت، قال: لأنهم أرادوا الله به ( [46] ).
النهي عن البدع ومنتحلي التصوف:
بموجب البناء على الكتاب والسنة وأصول تدين السلف أظهر الصوفية الأوائل شدةً على البدع وأهلها، خاصة أدعياء التصوّف، فقال أبو القاسم النصراباذي( [47] ) -أحد شيوخ السلمي، (ت 367هـ)، وهـو ممن كان له « لسان الإشارة مقرونا بالكتاب والسنة »( [48] )-: « أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، وحسن صحبة الفقراء، والقيام بخدمتهم، واستعمال الأخلاق الجميلة، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات، وما ضلّ أحد في هذا الطريق إلا بفساد الابتداء، فإن فساد الابتداء يؤثر في الانتهاء »( [49] ).
وقال أبو العباس أحمد بن محمد الدينوري، أحد كبار صوفية نيسابور وسمرقند: « نقضوا أركان التصوف، وعدموا سبيلها، وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها، سموا الطمع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عَنِ الحق شطحا، والتلذذ بالمذموم طيبة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع عَلَى الدنيا وصلا، وسوء الخلق صولة، والبخل جلادة، والسؤال عملا، وبذاءة اللسان ملامة، وَمَا هَذَا كَانَ طريق الْقَوْم »( [50] ).
وقال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري النيسابوري (ت 298هـ): «من أمَّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قال الله تعالى: { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54] » ( [51] ) .
ونسب الملا نور الدين الجامي لسلم بن الحسن الباروسي قوله: « لا يظهر على أحد شيء من نور الإيمان إلا باتباع السنة ومجانبة البدعة، وكل موضع ترى فيه اجتهادا ظاهرا بلا نور فاعلم أن ثَمَّ بدعةً خفية »( [52] ).