الحالة السلفية عند أوائل الصوفية
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب
ومن أجل كل هذا نصب الشاطبي اعتصامه، وجعله للحق صمامه، وكان مما رفع به عقيرته قوله في طوائف المتأخرين من المتصوفة وجماعات من المستصوّفة المتصلّفة( [53] ): « إنما داخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادَّعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقوَّلوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، وأعظم من ذلك أنهم يتساهلون في اتباع السنة، ويرون اختراع العبادات طريقا للتعبّد صحيحا، وطريقة القوم بريئة من هذا الخباط بحمد الله »( [54] ).
وقال قائل منهم: « الذي في أيدينا اليوم هو الانتساب إليهم فقط، والمحبة لهم باللسان من غير عمل ولا اتباع، فما أبعدنا عن طريقهم وسيرهم وسيرتهم! لتساهلنا وغفلتنا عما كان عليه الأسلاف، وما جهلناه وفرطنا فيه وضيعناه من السنة، واشتغلنا عن ذلك بالبدعة، حتى وقع من تيهنا عن الطريق إلا من رحم الله »( [55] ).
ومثل هذا قول أبي العباس القرطبي المالكي: « وعلى الجملة، فللمتأخرين من هذه الطائفة من الطرق المبتدعة والتحكمات المخترعة والألفاظ المبهرجة والشطحات المزعجة ما يتبرأ منه أهل التحقيق، ولا يقبله إلا كل جاهل أو زنديق، ولا يظن غمر جاهل أو ذو غمر متجاهل أنّا ننكر طريق العباد المحققين الأولياء والصالحين، وإنما ننكر على الجهال المبتدعين الذين يتحكمون في دين الله بأهوائهم، وبما يقع في قلوبهم، ويتركون القواعد الشرعية والأحكام النبوية، جامحين إلى ما تقتضيه النفوس والطباع من الأكل والرقص والسماع، لا عرفنا الله بهم، وتاب علينا من مشاهدتهم »( [56] ).
ومنه قول أبي الطيب الطبري إمام الشافعية منكرا بعض أحوالهم: « وإذا كان فعله أحد من هؤلاء المتأخرين فإنه لا يجوز؛ لأنه قد أخطأ في ذلك، لا يلزم الاقتداء به، ويترك الاقتداء بالأئمة الراشدين المهديين الذين أخذوا كل شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم توقيفا، ومن هنا يعيب كثير من الناس الصواب، يحتج إليهم بالصحابة والتابعين، الصلحاء المتقدمين، فيحتجون هم بالمتأخرين الذين لا يقضى لهم بالإصابة كما قضي بها للصحابة، نعوذ بالله من حرمان الصواب »( [57] ).
كان حرص الصوفية الأوائل كبيرا على التحذير من مجالسة أهل البدع من كل لون، خاصة من كان منهم من المتصوفة، من ذلك قول بندار بن الحسين الشيرازي: « صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق »( [58] )، وهذا لأن من ميزة البدعة مزاحمة السنن، والسنن النبوية عنصر الحق، والناظر في تاريخ “ البدع ” يرى دائما تدافعا، بل تناقضا بين الجهتين، ففي السنة العصمة، ومن تركها وانحاز إلى البدعة بمصاحبة أهلها ضيع الاعتصام، ومتى رفع الاعتصام لم يأمن المرء أن يضل في الخوالي، قال عبد الله بن داود -وكان من العباد ممن يستجاب دعاؤهم كرامة وتفضلا من الله تعالى-: « من علامات الحق البغض لمن يدين بالهوى، ومن أحب الحق فقد وجب عليه البغض لأصحاب الهوى »( [59] ).
ومن طريف الأمر أن الصوفية أنفسهم لاحظوا “ تكاثر ” هذا النوع فيهم، وهم “ جذور حرة ” قديمة، صارت سرطانات، أفسدت “ طريقة الأوائل “، وتحوَّلت إلى “ موائد للأواخر “، فسموا هؤلاء الأدعياء المسترزقة باسم عجيب، حاكوه على “ مقاسهم ” فناسبهم، فقال الهجويري: « المستَصوِف هو من تشبه بهم من أجل المنال والجاه وحظ الدنيا، وهو غافل عن هذين، وعن كل معنى، إلى حد أن قيل: المستصوف عند الصوفية كالذباب، وعند غيرهم كالذئاب »( [60] ). والهجويري هذا هو أبو الحسن علي بن عثمان الجلابي الغزنوي الهجويري، من أقران القشيري صاحب (الرسالة)، وقد اختُلف في سنة وفاته، ومما قيل في ذلك أنه توفي سنة 465هـ، وهي السنة التي توفي فيها القشيري أيضا! وقد أعجب هذا اللقب المستشرقة الألمانية أنا ماري شيمل، فأثبتته في “ الأبعاد الصوفية في الإسلام “! ويسميه الشيخ محمد زكي إبراهيم شيخ العشيرة المحمدية الصوفية المصرية في رسالته “ هذا هو تصوفنا وتلك هي دعوتنا “: “ المتمصوف “!
والختم بقول ابن الملقن: « فمن أحب الله اتبع رسوله، ومن اتبعه أحبه الله، فأَقبِح بالبدعة الصادة عن الحق، ولا خير فيها، ولا مرجع إلى الله ورسوله، ولا اتباع بها لصراط الله، بل لسبيل يفرق عن سبيل الله، ويبعد عن محبة الله، أعاذنا الله منها بمنه »( [61] ).
استمرار التحذير في الصوفية المتأخرين:
استمرّ هذا التحذير في بعض الصوفية المتـأخرين -وهو حجة عليهم- من هذا الانتحال والخروج عن طريقة الأوائل، فقد حذر الشيخ أحمد الرفاعي -أحد شيوخ التصوف، ورأس الطريقة الرفاعية، (ت 578ه)- من اعتبار هذه الأقوال والشطحات، فقال: « إياكم والقول بهذه الأقاويل، إن هي إلا أباطيل، درج السلف على الحدود بلا تجاوز، بالله عليكم، هل يتجاوز الحد إلا الجاهل؟! هل يدوس عنوة في الجب إلا الأعمى؟! ما هذا التطاول؟! »( [62] ).
وقال الشيخ مَحمد( [63] ) بن عيسى السفياني الفهدي الذي يزعمونه شيخا للطائفة العيساوية، وهو منها براء: « كيف تشرق ذاتٌ بأنوار النبي صلى الله عليه وسلم ولم تفعل ما كانت تفعله الذات الشريفة؟! ». وكان رحمه الله يشترط فيما يشترط على المريد عند تلقينه الورد امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمحافظة على الصلوات، ومراقبة الله تعالى في جميع الأوقات، والصمت والمحبة والصبر، والعزلة والحنانة والرأفة، وأن يرى جميع معاملة الإخوان معه من الله.
وقد نَسبَ هذا الكلام لمحمد بن عيسى عبدُ الرحمن بن زيدان في “ إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس “( [64] )، وفيه بعد قوله: “ الذات الشريفة “: « السنة تجمعنا، والبدعة تفرّقنا ». ونقل عن تلميذه أبي الحجا بن مهدي قوله: « كثيرا ما ينتسب إلى الشيخ ابن عيسى أقوام يهتكون أسرار الشريعة، ويحِلون المحرمات، ويظهرون أفعالا لا تشبه خرق العادات، ويدعون أن ذلك مما خصهم الله به من البركات -وحاشاه من ذلك-، إنما هم زنادقة أو مبتدعة »( [65] ).