قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
من سُنن الله الكونية ألا يُقيم للخوارج دولة، فلو مكَّن الله لهم لفسدت الأرض، وانقطعت السبل، وانتُهكت الأعراض، وضاع الدين، فسنن الله الكونية تأبى ذلك؛ إذ الخوارج كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلما ظهر لهم قرن قُطع» ( [7] ) ، ويقول وهب بن مُنبه: “إني قد أدركت صدرَ الإسلام، فوالله ما كانت الخوارج جماعة قطّ إلا فرقها الله على شرّ حالاتهم، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقَه، ولو مكّن الله لهم من رأيهم لفسدت الأرض وقطعت السبل والحج” ( [8] ) .
فمِن حكمة الله أنه لا يُمكّن للخوارج، ولا يُقيم لهم دولةً مُستقرّة، ولا يُنشر مذهبهم بين العامة فضلًا من أن يجعل نفعهم عامّا في المسلمين ومُستلهمًا لزعماء الإصلاح، بل إن المعارضين للدعوة قد زالوا وزالت آثارهم، فلا يكاد يعرف أحدُ خصومهم، وبقيت الدعوة وآثارُها ونفعها للمسلمين، فكيف يُظنّ بالله تعالى أن ينصر مذهب الخوارج ويُمكِّن لهم، ويجعل على أيديهم نهضةً علميةً تربويةً وتراثيةً يمدحها العامّ والخاصّ، بل ويعتنقها خُلَّص المؤمنين من الفقهاء والمُفكرين والأدباء والشعراء، وممن لهم قدمٌ صالحة في الأمة، ويجعلها الله مُستلهمًا لكل دعاة الإصلاح شرقًا وغربًا -كما يقول الزركلي وغيره-؟!
يقول الزركلي عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «وكانت دعوته الشعلة الأولى للنهضة الحديثة في العالم الإسلامي كله، تأثر بها رجالُ الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها» ( [9] ) .
فمن ظنّ أن الله يُمكِّن للخوارج ويجعل نفعهم عامًّا وينبثق منهم نهضة إصلاحية يستنير بها العلماء فقد أساء الظنَّ غاية الإساءةِ بالله عز وجل وبسُننه الكونية، وكان ظنّه هذا يُضادّ العقل الصريح والنقل الصحيح.
فإذا علمت ذلك فاعلم أن المنصفين من معارضي الدعوة شهدوا بفضائلها من حيث استقرار أمر المسلمين وتأمين السُبل وتآخي العرب فيما بينهم، وهو ما يُعارض ما قيل عن الخوارج.
ومن ذلك ما يقوله المؤرخ المعاصر للوهابية عثمان بن سند البصري -وكان من معارضي الدعوة-: “ومن محاسن الوهابيين أنهم أماتوا البدع ومحوها، ومن محاسنهم أنهم أمَّنوا البلاد التي ملكوها، وصار كل ما كان تحت حكمهم من هذا البراري والقفار يسلكها الرجل وحده على حمارٍ بلا خفر، خصوصًا بين الحرمين الشريفين، ومنعوا غزو الأعراب بعضهم على بعض، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام كأنهم إخوان أولاد رجل واحد، وهذا بسبب قسوتهم في تأديب القاتل والسارق والناهب، إلى أن عُدِم هذا الشرّ في زمان ابن سعود، وانتقلت أخلاق العرب من التوحش إلى الإنسانية.
فنجد في بعض الأراضي المخصبة هذا بيت عَنَزِي وبجنبه بيت عُتبي، وبقربهِ بيت حربي، وكلهم يرتعون كأنهم إخوان، وبهاتين الدسيستين خدعوا جميع العوام، يعني بمحو البدعة وتأمين الطرقات والسبل خصوصًا بين الحرمين، وأحبهم سائر الأمم… -إلى أن قال:- ولولا ما في الوهابيين من هذه النزعة -أعني تكفير مَن عداهم- لملكوا جميع بلاد الإسلام، وأدخلوهم تحت حكمهم بطَوْعهم واختيارهم، ولكن بسبب هذه النزعة أبغضَتْهم الأمم، وتسلطت عليهم الدول، وغزاهم أسد الديار المصرية إبراهيم باشا بن محمد علي باشا بأمر السلطان محمود سنة 1228، وملكَ بلادهم، ومحا آثارهم” ( [10] ) .
القاعدة الرابعة: الخوارج لم يتلقَّوا العلم من مظانه الصحيحة:
من المعلوم عند أهل العلم أنَّ الخوارجَ قوم حُدثاء الأسنان سُفهاء الأحلام، لم يتلقَّوا العلم من مظانه، ولا أخذوا عن المشايخ.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب قد عُرف عنه في تراجمه برحلاته العلمية إلى مكة والمدينة والبصرة والكوفة، حيث تلقَّى العلم عن أكابر زمانه، وطالت ملازمته للعلامة محمد حياة السندي في مكة، وأخذ عن العجلوني إمام الحديث، والعلامة محمد المجموعي، وعبد الله الفرضي الحنبلي، وغيرهم من الأعلام. وله أسانيد عديدة في كتب الحديث والفقه والتفسير، حتى إنه طرقه صارت من أشهر الطرق التي يروي عنها المعاصرون.
كما كان له رحمه الله اعتناء بالفقه الحنبلي، وتتبع مشايخَه حتى أنّ مخالفيه لم يُنازعوا في كونه طلب العلم من مظانه الصحيحة، وله كتاب «مختصر الإنصاف والشرح الكبير» في عدة مجلدات، اختصر فيه موسوعتين عظيمتين في الفقه الحنبلي.
كذلك أبنائه وأحفاده من بعده، درسوا بالأزهر الشريف علومَ الآلة، فقد درس عبد الرحمن بن حسن صاحب (فتح المجيد) بالجامع الأزهر، وكذلك عبد اللطيف آل الشيخ وغيرهما، ولهم ثبت رواية ومشيخة من الأزهر وغيره ( [11] ) ، حتى إن عبد الرحمن بن عبد الله قد تولى كرسي الحنابلة بالجامع الأزهر.
القاعدة الخامسة: لا تجعل الدعوة قالبًا واحدًا لا يتجزأ:
المنتقدون لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يجعلون تاريخ الدعوة قالبًا واحدًا لا يتجزأ، لا يمكن تجزئتها إلى فترات، بل يُحمِّلون الشيخ تبعات كل ما حصل من بعده، فما يقوله الشيخ حمد بن عتيق -الذي جاء بعد الشيخ بقرن من الزمان- لا بد وأن الشيخ وهو في قبره يقول به أيضًا، وما يفعله حفيد ابن سعود لا بد وأن الشيخ يرتضي به أيضًا، حتى ولو مات منذ زمن سحيق!
وهذا الظلم الذي يقع على الشيخ منشؤه الجهل بتفاصيل تاريخ الدعوة.
ومثال ذلك: الصدام بينهم وبين الدولة العثمانية -والذي يعتبره المنتقدون خروجًا على الدولة العثمانية- لم يكن أساسًا في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا في عصر محمد بن سعود؛ وإنما كان في عهد الأمير عبد الله الملقب بعبد الله الكبير بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، وكانت أول حملة بقيادة طوسون بن محمد علي باشا عام 1228هـ، أي: بعد موت الشيخ بـاثنين وعشرين عامًا، وهزم طوسون هزيمة منكرة، والحملة الثانية بقيادة إبراهيم باشا عام 1233ه، أي: بعد موت الشيخ بسبعة وعشرين عامًا.
الشاهد من الأمر: أن الحملتين وقعتا بعد حوالي ربع قرن من الزمان من وفاة الشيخ، فتأمل هذا جيدًا؛ فإنه مهم.