قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
فلا يمكن -والحال كذلك- محاسبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -وهو المؤسس الروحي للدعوة إن صح التعبير- بحجة أن من جاؤوا بعده من الأمراء على نفس منهجه، وهذا الخطأ وقع فيه الأستاذ ياسين بن علي في كتابه: (خروج الوهابية على الدولة العثمانية)، حيث يقول بأنه لا يمكن الفصل بين تصرفات الأتباع وبين محمد بن عبد الوهاب؛ لأننا في مقام تقييم الوهابية كفكر، وهذه الإجمالية في الحكم على الناس تجعل المنتقدين يقعون في محاذير علمية.
وإلا فهل نحمل الإمام أحمد بن حنبل تبعة فتن الحنابلة من بعده؛ فقد حصل قتال بينهم وبين الأشاعرة، بل وبعد الإمام أحمد بمدة يسيرة قام ابن أبي داود شيخ الحنابلة، وقاد حركة تأليب الناس على الإمام الطبري.
وهل نحمّل الإمام مالكًا ما فعله بعض فقهاء المالكية بعد وفاته بمدة يسيرة لما قاموا على الإمام الشافعي بمصر وضربوه؟! وهل يقال: إن مذهب أهل المدينة الذي يمثله مالك كان مذهبًا متشددًا؟! لا أظن أن منصفًا يقول ذلك.
هذا الأمر من الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها المنتقدون للدعوة السلفية، حيث يفترضون -بلسان الحال لا بلسان المقال- أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -الذي مات في مهد الدعوة- لو كان موجودًا بين أظهرهم لوافقهم على قتال العثمانيين؛ فهذا نوع من التخرُّص وتغليب الظن أو الرجم بالغيب، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغنِي مِنَ الحَقِّ شَيئًا﴾ [النجم: 28]، وهو أمر بعيد عن الإنصاف أو النقد العلمي البناء.
ونحن إذ نقول ذلك: لا يعني أن ما فعلته الدولة السعودية الأولى كان خروجًا على الدولة العثمانية بالضرورة، ولا أن ما قاله بعض أئمة الدعوة كان تشددًا أو تكفيرًا بالضرورة -وإن كان الخطأ واردًا بالطبع-، إنما كلامنا السابق من باب الجدل الفكري، أو من باب: «ثبِّت العرش ثم انقش».
فعند تناول أي موضوع بحثي لا بد وأن يكون الباحث يسير وفق منهجية علمية للنقد، تتحلى بقيم الإنصاف والحكم على كل فعل بمفرده، وعلى كل حقبة بمفردها، لا مجرد آراء وتخرصات وظنون لا يبنى عليها يقين.
وعلى هذا نقول: لم يُنقل عن الشيخ أي عداء للدولة العثمانية، بل الثابت عنه توقير ولاتها، وهذه رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى شريف مكة ووالي العثمانيين، يقول فيها:
“بسم الله الرحمن الرحيم.
المعروض لديك، أدام الله أفضل نعمه عليك، حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد، أعزه الله في الدارين، وأعز به دين جده سيد الثقلين.
إن الكتاب لما وصل إلى الخادم -يقصد نفسه-، وتأمَّلَ ما فيه من الكلام الحسن، رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها وعداوة من خرج عنها؛ وهذا هو الواجب على ولاة الأمور. ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر، وهو واصل إليكم، ويجلس في مجلس الشريف، أعزه الله هو وعلماء مكة. فإن اجتمعوا، فالحمد لله على ذلك، وإن اختلفوا أحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة؛ والواجب على الكل منا ومنكم أنه يقصد بعلمه وجه الله ونصر رسوله…” ( [12] ) .
فتأمل كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ووصفه نفسه بالخادم، وتسميته لوالي العثمانيين بأنه من ولاة الأمر، بل ويدعو الله له، تعرف أن الشيخ لم يكن يعادي الدولة العثمانية، فضلًا عن أن يكفرها.
وإنما النفرة وقعت بعد وفاة الشيخ بحوالي ربع القرن في زمن عبد الله بن عبد العزيز، لما أرسل محمد علي باشا حملة بقيادة طوسون، ثم حملة ثانية بقيادة إبراهيم باشا.
وأما الإفتاء بتكفير الدولة التركية فقد حصل في زمن الدولة السعودية الثانية في زمن العلماء حمد بن عتيق وسليمان بن سحمان وغيرهما، لما دخلت القوات التركية للقتال دون الأضرحة، وتحقق النجديون منهم، فوجدوا كثيًرا منهم زنادقة، فاجتهد النجديون آنذاك، وأفتوا بكفر الدولة العثمانية (من حيث البناء المؤسسي كجنود وقواد، لا شعبها، ولا الدول التابعة لها)، وهو اجتهاد خاص بعلماء تلك الفترة، لا يُنسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا تلاميذه المباشرين.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الرؤية لم تكن خاصة بالنجدية، بل كان الجبرتي المصري أيضًا يرى ذلك، فمما قاله رحمه الله: “ولقد قال لي بعض أكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع: أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة، وفيهم من لا يتدين بدين ولا ينتحل مذهبًا، وصحبتنا صناديق المكسرات، ولا يسمع في عرضينا أذان، ولا تقام به فريضة، ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين؟! والقوم (أي: الوهابيون) إذا دخل الوقت أذن المؤذنون، وينتظمون صفوفًا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع، وإذا حان وقت الصلاة والحرب قائمة أذن المؤذن وصلوا صلاة الخوف، فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر الأخرى للصلاة، وعسكرنا يتعجبون… -إلى أن قال:- وكشفوا عن كثير من قتلى العسكر فوجدوهم غلفًا غير مختونين. ولما وصلوا بدرًا واستولوا عليها وعلى القرى والخيوف -وبها خيار الناس وبها أهل العلم والصلحاء- نهبوهم وأخذوا نساءهم وبناتهم وأولادهم وكتبهم، فكانوا يفعلون فيهم، ويبيعونهم من بعضهم لبعض، ويقولون: هؤلاء الكفار الخوارج. حتى اتفق أن بعض أهل بدر الصلحاء طلب من بعض العسكر زوجته فقال له: حتى تبيت معي هذه الليلة وأعطيها لك في الغد” ( [13] ) .
القاعدة السادسة: ينبغي دراسة الظروف الاجتماعية والدينية:
للحكم على اجتهاد عالم تجاه طوائف معينة لا بد من دراسة متأنية لأحوال تلك الفترة التاريخية التي يعيشها هذا العالم وظروفها لمعرفة أسبابه ودوافعه، وعلى هذا نقول: لمعرفة مناط التكفير والقتال عند محمد بن عبد الوهاب يجب دراسة الأوضاع الدينية والاجتماعية في تلك الفترة القديمة، فالبعض يظنّ أن الخلاف كان ينحصر في بعض البدع والمعاصي الخفيفة أو في التوسل والتبرك فقط، وهذا وَهم غير صحيح، بل كان مِن القبائل مَن يُسيّرها شيوخ الاتحادية الغلاة، وفي كل قبيلة يوجد منهم من يدّعي علم الغيب وينكر البعث ويخاطب الملائكة والجنّ ويدعوهم من دون الله، مثل الشيخين: تاج وشمسان.