شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

وبعض الكُتّاب المعاصرين يستبعد وجود هذه الأحوال الغالية، ويراها مبالغات من مؤرّخي الوهابية لتبرير القتال، وحجته في ذلك: أن وجود فقهاء شريعة من الحنابلة وغيرهم دليل على وجود جنس العلم؛ فكيف يوجد شركيات وخرافات؟!

وهذه مغالطة واضحة؛ وذلك لأن فقهاء الشريعة الكلاسيكيين لهم وجود في كل مكان، فكان ماذا؟! ففي مصر مثلًا كان لعلماء الأزهر الشريف حضور قوي، ومع ذلك كان ينتشر في حواري القاهرة وأزقتها شيوخ المجاذيب الذين يدورون في الأسواق، ويكشفون عن عوراتهم، ويعتقِد الناس فيهم، كما حكى الجبرتي رحمه الله ( [14] ) .

فإذا كان حضور أهل العلم في المدن مثل القاهرة لم يمنع من انتشار الأحوال الغالية، فكيف بالبدو حيث انتشار الجهل؟!

يقول الشوكاني (ت: 1250هـ) وهو يحكي الحالة العلمية في زمانه: (وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب… وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني؛ تلعثم وتلكأ وأبى، واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة “ ( [15] ) .

وقال ضياء الدين صالح بن مهدي المَقبلي الكوكباني ( 1047هـ-1108هـ) -قبل الوهابية بقرن من الزمان-: “جاءني شريف من أشراف مكة، وكان يعتقد متصوفًا وأنا أنهاه عنه، فجاءني مذعورًا يقول: ذكرتُ الله ورسوله فغضب فلان وقال: لا أعرفُ الله ولا رسوله، إنما أعرف شيخي. وزار بعضُ العقلاء ابنَ عباس فرأى غلو الناس فيه، فقال لرجل من عمد مكة ومدرسيهم ومتصوفتهم: أهلُ الطائف لا يعرفون الله، قد اتخذوا ابن عباس إلهًا من دون الله ، فسقط من عين ذلك المدرس، وقال: ما كنت أظنك بهذه المنزلة من الجهل والغفلة، هم لا يعرفون الله، ولكن تكفيهم معرفة ابن عباس، وهو يعرف الله. ثم قد صوَّروا كذبات قالوا: مشى الجنيد في البحر وهو يقول: يا الله يا الله، وقال لتلميذه: قل أنت: يا جنيد يا جنيد. قال: مشيا ثم قال تلميذه: يا الله، فغرق، فنهره الشيخ، فتاب وقال: يا جنيد، فمشى فوق الماء. وقالوا: جاء منكر ونكير لميت فقالا: من ربك؟ فقال: شيخي فلان، وكرروا سؤاله وهو يكرر قول: شيخي فلان، فقالوا: صدق، وذهبوا عنه راضين. ومن أنكر هذا قالوا: جلمود مخذول، ولا يحب الأولياء، أو نحو ذلك من عبارات لهم، فهؤلاء زادوا على من قال: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، وليس لهؤلاء من علاج غير السيف، ولكن أهل السيف الآن أجهل خلق الله وأشدهم اغترارًا بتلك الأساليب، حيوانات مختلفة الطباع من ثعالب وسباع يعمها سلب الفلَاح. والله المستعان” ( [16] ) .

وقال العلامة محمد السنوسيّ في ذكر ما عليه البادية: “وبعض اعتقاداتهم أجمع العلماء على كفر معتقدها، وبعضها اختلفوا فيه، وكثير من أهل البادية يُنكر البعث” ( [17] ) .

وقال الشيخ البيجوري الأزهري رحمه الله عن البادية في سياق ذكره العقائد الفاسدة: “ومثل ذلك كثير في الناس، فمنهم من يعتقد أن الصحابة أنبياء، وهذا كفر، ومنهم من ينكر البعث” ( [18] ) .

وجاء في فتاوى الخليلي الأشعري (ت: ١١٤٧هـ) -أي: قبل ذيوع الوهابية- أنه سُئل في نحو عرب السعادنة وبني عطية وغيرهم من عرب الشام ومصر والحجاز وغيرهم من عرب البوادي.. وذكر السائل شيئًا من ضلالاتهم ثم قال: “ويصدّقون ببعثته صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ينكرون البعث والنشور، وإذا قيل لأحدهم: إن ربنا سبحانه يحيي الخلقَ بعد موتهم، ويحاسبهم على أعمالهم، فيقولون: لا ندري ذلك، ولا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة.. وقال في جوابٍ آخر: قد سئل عن مثل هذه المسألة شيخ مشايخنا الزاهد الورع العالم الشيخ أمين الدين محمد بن عبد العال الحنفي رحمه الله (فأجاب) بما حاصله المرقوم في فتواه: من استحلَّ حكمًا علم أمره وحرمته في دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وحيث نهوا ووعظوا مرارا حلّ قتلهم وقتالهم وأخذ أموالهم، ثم ينظر في حال نسائهم إن كن مؤمنات مكرَهات معهنّ لا ذنب لهن فيعلَّمن الأحكام، وإن لم يكنّ كذلك حلّ سبيهنّ وبيعهنّ كالحربيات انتهى… هذا حكمهم مع كونهم كفّارا، وبه يعلم حلّ قتلهم مطلقًا والحالة هذه، ويثاب قاتلهم، وأجر المقاتل لهم كأجر المقاتل لأهل الحرب مع خلوص النية؛ لأنه مجاهد في سبيل الله. والله أعلم” ( [19] ) .

القاعدة السابعة: ينبغي قراءة كتب الخصوم، لا الانبهار بالأسماء:

من أهم الشُّبه التي تُعرض على طبلة العلم: الاغترار بأسماء العلماء الذين خالفوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مثل ابن فيروز وابن عفالق وابن جرجيس، أو رجوع الصنعاني عن مدحه للشيخ، وغير ذلك، دون النظر في كتبهم أو المحاكمة العادلة بين الطرفين، فقط يكتفي المخالف بإيراد تلك الأسماء كدليل مستقل على فساد الشيخ وتلامذته رأسًا. فنقول للمُتشكك: قد علمتَ شيئًا وغابت عنك أشياء.

وجواب ذلك: أنه من معلوم أن أشهر من حمل لواء ابن فيروز وجماعته فيما بعد هو داود بن سليمان بن جرجيس العراقي الذي كان تلميذًا للعلامة أبا بطين النجدي، وتمرد على شيخه، وادعى أن دعاء المقبورين ليس من الشرك الأكبر عند ابن تيمية وابن القيم، وأنهما بريئان من الوهابية الخوارج!

وصنف في ذلك كتابًا أسماه: (صلح الإخوان من أهل الإيمان وبيان الدين القيم في تبرئة ابن تيمية وابن القيم)، وممن رد عليه العالم الكبير مفتي بغداد السيد نعمان الآلوسي الحنفي -وهو ابن أبي الثناء المُفسر صاحب (روح المعاني)- في كتابه (شقائق النعمان في رد شقاشق داود بن سليمان) ومعلوم أن النعمان الآلوسي كان متصوفًا متأثرًا بابن تيمية، ولم يكن وهابيًّا أو مُقلدًا لهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية