قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
ثم إن ابن أخيه محمود شكري الآلوسي رد على ابن جرجيس في (فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان)، وهو تتمة لكتاب الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (منهاج التأسيس في الرد على داود بن جرجيس) الذي رد فيه على ابن جرجيس ومات قبل أن يُتمه، فأتمه الشيخ محمود الآلوسي بعد موته.
فانظر كيف يتتابع العلماء والمصلحون بشتى مشاربهم في رد ابن جرجيس الحنبلي، ومعلوم أن ابن جرجيس هو امتداد لمذهب الحنابلة الذين خالفوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ثم كيف يدعي عاقلٌ موافقة خصوم الدعوة لابن تيمية وابن القيم وأكثرهم من الأشاعرة ومن تابعهم من الحنابلة ممن يقررون نفس التقريرات، سواء في مسائل الأسماء والصفات ودليل حدوث العالم، وغيرها من المسائل كشأن متأخري الحنابلة، والتي لعلهم نسبوها لابن تيمية نفسه دون خبرة ودراية منهم، فإذا جاز خطؤهم في فهم ابن تيمية تجاه هذه المسائل الواضحة لعدم خبرتهم بمصنفات الشيخ في تلك العصور، فما الذي يمنع عقلًا عدم فهمهم للشيخ في تقرير توحيد العبادة أيضًا؟!
ومما يدل على مفارقة مذهبهم لمذهب ابن تيمية: قول الشيخ ابن عفالق في رسالته لعثمان بن معمر: (والحاصل في كلام هذا الجاهل -يعني محمد بن عبد الوهاب- أن الشرك في الألوهية هو الشرك الأكبر، وهو الذي قاتل عليه الرسول المشركين، وهذا خطأ وجهل وزندقة، بل الشرك في الألوهية هو الشرك الأصغر) ( [20] ) .
ولما بيّن له الشيخ محمد بن عبد الوهاب بطلان قوله راح يدعي أن هذا اجتهاد من ابن تيمية! يقول الشيخ ابن عبد الوهاب: “وكذلك لما أتاهم كتاب ابن عفالق الذي أرسله المويس لابن إسماعيل، وقدم به عليكم العام، وقرأه على جماعتكم يزعم فيه أن التوحيد دين ابن تيمية وأنه لما أفتى به كفره العلماء وقامت عليه القيامة” ( [21] ) .
فلما حاصره الشيخ بالحجج استكبر عن الرجوع عن قوله، وراح يرسل إليه أسئلة في مُلح العلوم ليُبين عجزه عن الإجابة، فعلم الشيخ من ذلك أنه مجادل ولا يريد الحق، وإنما أخذته العزة بالإثم.
وإثبات أجنبية هؤلاء عن كتب ابن تيمية لا يحتاج كبير جهد، فانظر مثلًا ابن داود الزبيري في كتابه (الصواعق والرعود) كيف نسب لابن تيمية القول بجواز التوسل وطلب الشفاعة منه!
نقل ابن داود نصًّا عن الشيخ في جواز الاستغاثة بالرسول في حياته، فقال: “وقال الشيخ أيضا -أي ابن تيمية-: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق به لا ينازع فيه مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطئًا” ( [22] ) .
ثم عقب بقوله: “فانظر هذا الكلام النفيس… فهذا حال من ينكر التوسل -أي: عند ابن تيمية-، فكيف بحال من ينكر الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم ويقول لمن طلبها منه: يا كافر، ومن لم يكفر من يقول: يا رسول الله اشفع لي فهو أكفر من فرعون؟!…” ( [23] ) .
فنسب إلى ابن تيمية جواز التوسل وطلب الشفاعة بعد موته، مخالفًا بذلك ما عرف بالضرورة من مذهبه، مُتجاهلًا رد السبكي عليه، ولكن خصوم محمد بن عبد الوهاب خالفوا الضروريات التاريخية جهلًا منهم بتراث الشيخ رحمه الله.
مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية ينفي هذا قطعًا، فيقول: “أما دعاء الرسول وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فلم ينقل عن أحد من الصحابة… إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه فضلًا عن أن يستقبله ويستشفع به؛ يقول له: يا رسول الله، اشفع لي، أو ادع لي، أو يشتكي إليه مصائب الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أو يشتكى إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى والمشركين” ( [24] ) .
فانظر كيف جعل ابن تيمية من يقول: (يا رسول الله، اشفع لي) يوافق صنيع النصارى والمشركين، وهذا ابن داود الجاهل بتراث ابن تيمية ينسب إليه هذا القول. فسبحان الملك!
أما بالنسبة إلى رجوع الصنعاني فنقول:
لما تزلف بعض أعداء الشيخ من الحنابلة إلى الصنعاني -مثل مربد والمويس- ونقلوا له أخبارًا كاذبة عن الشيخ أقنعوه أن دعاء الأولياء ليس كفرًا أكبر، وإنما هو من جملة المعاصي والشرك الأصغر.
إلا أن الشوكاني رد على الصنعاني فقال رحمه الله: (ومن جملة الشُّبه التي عَرضت لبعض أهل العلم ما جزم به السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في شرحه لأبياته، التي يقول في أولها: رجعت عن النظم الذي قلتُ في النجدي!…) ( [25] ) .
فالصنعاني كتب حاشية على هذه القصيدة -بعد رجوعه عن مدح الشيخ- صرح فيها بموافقته لمناوئي الدعوة في أن شرك القبور من الشرك الأصغر أو الكفر العملي، مثل: ترك الصلاة، والنياحة، والقتل، ونحو ذلك.. ثم قال الصنعاني بعد كلام طويل: (وهذا تحقيق بالغ). فقال الشوكاني رادًّا عليه وعلى مربد والمويس: (هذا الكلام في التحقيق ليس بتحقيق بالغ، بل كلام متناقض متدافع، وبيانه: أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى كفر اعتقاد وكفر عمل، لكن دعوى أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل = في غاية الفساد؛ فإنه -أي الصنعاني- قد ذكر في هذا البحث أن كفرَ من يعتقد في الأولياء كفرُ عمل، وهذا عجيب! كيف يقول: كفر من «يعتقد» في الأولياء، ويسمي ذلك اعتقادًا، ثم يقول: هو «عملي»؟! وهل هذا إلا التناقض البحت والتدافع الخالص؟!..) ( [26] ) .
ثم بدأ الشوكاني بتفنيد كلام الصنعاني، وأتى بنقولات عن ابن القيم وابن تيمية وغيرهما أن كفر دعاة القبور من كفر الاعتقاد لا العمل، وبيَّن خطأ شيخه الصنعاني، رحم الله الجميع.
القاعدة الثامنة: ينبغي فهم إطلاقات علماء الدعوة ومصطلحاتهم:
ينبغي معرفة الإطلاق العام الذي يُراد به الخاص، أو إطلاق الكل الذي يراد به البعض، وذلك عن طريق القرائن وجمع كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الباب الواحد، فعندما يقول الشيخ: انتشر الشرك في بلاد المسلمين، وعند تأسفه عن غربة الإسلام، لا يعني بالضرورة تكفيره لكل المسلمين -كما فهم أعداؤه-، وإنما يريد وصف الأحوال العامة، لا تحقيق وقوع الشرك أو إقامة الحجة على كل واحدٍ منهم، وهذا ظاهر ومتداول عند أهل الشريعة، وقد سبق من كلام الشوكاني نفس الإطلاقات ولم يتهمه أحد بالتكفير.