شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب

بيَّنَّا أنَّ محنة العالم مِن سنة الله عز وجل التي أجراها على المجدِّدين في الإسلام، ومع ذلك فإنّا لا نُسلم أن ابن تيمية مختلَفٌ في إمامته، بحيث يكون من الشخصيات الجدلية في التاريخ، من جنس الاختلاف في ابن عربي وابن سبعين وأشباههما؛ وذلك لأن الثناءَ على ابن تيمية هو قول جمهور علماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة بعد موته صنَّفوا فيه التصانيفَ، وحشدوا فيه المناقب والمدائح؛ مِن كثرة الثناء عليه وتعظيمه، مثل:

العقود الدُّرِّيّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، للحافظ ابن عبد الهادي.

الأعلام العلِيَّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، للحافظ أبي حفصٍ البزَّار.

الردّ الوافر على من زعم أن من سمَّى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي.

الرسالة الزكية في الثناء على ابن تيمية، للعلامة مرعي الكرمي الحنبلي.

القول الجليّ في ترجمة تقيّ الدين الحنبليّ، للعلامة محمد صفي الدين البخاري الحنفي.

وغير ذلك من الكتب التي حشدت مئات من الثناءات والمديح وذكر المناقب، حتى كاد يكون كلمةَ إجماع، بعكس ابن عربي الطائيّ؛ فإن الجمهور على ذمِّه وتكفيره.

وقد أجاب بعض غلاة المعاصرين بأن العلماء مدَحوا ابن تيمية في بادئ الأمر قبل أن يُظهر اعتقادَه وقبل يعرفوا حقيقته.

لكن لا يستقيم هذا القول تاريخيًّا؛ فإننا لو سلَّمنا بذلك فيمن عاصر ابن تيمية، فماذا عن تلامذتهم الذين جاؤوا من بعدهم كالبلقيني والحافظ ابن حجر والبدر العيني والسخاوي وغيرهم؟! فإنهم جاؤوا بعد موت ابن تيمية، ويُفترض أنهم عرفوا حقيقتَه من مشايخهم؛ فلماذا مدحوه وسمَّوه بشيخ الإسلام؟! فلا شك أن هذه عقبةٌ تعترض الدعوَى القائلة بأن المدح كان في أول الأمر.

بل أكثر من ذلك، فقد اعتبر الحافظ ابن حجر أن القول بذم ابن تيمية وتضليله هو قولٌ مهدور لا يُعوَّل عليه ( [14] ) ، ولا عبرة لمن يقول إن ابن حجر لا يعلم عقيدة ابن تيمية؛ بل ابن حجر كان من أعلم الناس بالمنتقَد على ابن تيمية، وأعلَم بحقيقة قوله من أعدائه، وكثيرًا ما ينقل ابن حجر قول ابن تيمية في الأمور التي خالف فيها أهل زمنه، ثم يتعقبه في فتح الباري والدرر الكامنة وغيرها، فكيف يُقال عن ابن حجر: لم يعرف حقيقته؟!

ولقد تتابع الأئمة الأعلامُ منذ عصر ابن تيمية إلى يومنا بتلقيبه بشيخ الإسلام وإن خالفوه في مسائل، كسائر ما يُخالَف فيه الأئمة.

وانظر ما يقوله الحافظ السخاوي في (الأجوبة المرضية) بعدما نقل قول ابن تيمية في حديث «كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد» قال: “وحينئذٍ فيُعتمَد مقالة الشيخ تقي الدين ابن تيمية حيث حكم على اللفظ المسؤول عنه بالوضع، وناهيك به اطلاعًا وحفظًا، أقرَّ له بذلك المخالف والموافق ، وكيف لا يُعتمَد كلامه في سبيل هذا وقد قال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي: ما رأيت أشدَّ استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكأنَّ السنةَ نصب عينيه وعلى طرف لسانه. ووصفه الإمام فتح الدين ابن سيد الناس مصنف (السيرة النبوية) المشهورة وغيرها فقال: وكان يستوعب السنن والآثار” ( [15] ) .

وانظر أيضا ما يقوله البرهان سبط ابن العجمي في (نور النبراس) بعدما نقل حكمًا لابن تيمية في أحد الأحاديث: “والذي يظهر أنه ليس له إسناد صحيح؛ وذلك لأن ابن تيمية رجل عالم كبير ، وما أنكر هذا إلا بثبت، وكلامه ظاهر ومعقول”. ثم نقل ثناء الذهبي وابن سيد الناس عليه، ثم قال: “وثناء الناس عليه كثيرٌ جدًّا، ولكن ذكرت هذين الحافظين من أهل الفن ليُعرف أن ابن تيمية إذا قال شيئًا لم يكن هاجمًا عليه، بل إنما يقول شيئًا بعد تروٍّ وتفكّر” ( [16] ) .

ويقول جلال الدين السيوطي : “كنت قديمًا في سنة سبع أو ثمان وستين وثمانمائة ألفتُ كتابا في تحريم الاشتغال بفن المنطق، سميته: (القول المشرق)، ضمَّنته نقول أئمة الإسلام في ذمّه وتحريمه، وذكرت فيه أن شيخ الإسلام أحد المجتهدين تقيّ الدين ابن تيمية ألَّف كتابًا في نقض قواعده، ولم أكن إذ ذاك وقفت عليه” ( [17] ) .

ويقول العلامة شيخ الأزهر أحمد الدمنهوري : “ولقد وقفتُ على فتوى وجوابها في هذا الشأن للعلامة المجتهد شيخ الإسلام ابن تيمية ، وأطال الكلام على ذلك والأدلة والبراهين” ( [18] ) . ثم نقل طرفًا منها.

وجميع من أنكروا على ابن تيمية في زمنه أقرُّوا له بالإمامة والدين، فكان إنكارهم مُقيَّدًا بمسائل، ولم يُعرَف في العلماء الكبار (ممن يُعوَّل عليه) من ذمّ ابن تيمية بإطلاق إلا التقي السبكي؛ لأجل المعاصرة واختلاف المذهب، وقد رجع عن قوله -كما سيأتي- وقد قلَّده في زمن المتأخّرين ابن حجر الهيتمي دون أن يعرف برجوعه، وقد ردَّ على الهيتمي تلميذه ملّا عليّ القاري وعددٌ من العلماء، وأغلظوا عليه، كالشبراملسي، والسفاريني، والنعمان الآلوسي، وغيرهم، وسيأتي كلامهم.

وإذا ثبت رجوع السبكي فقول الهيتمي مهدَر؛ لأنه إنما قال ذلك متابعةً له، وسيأتي تفصيل ذلك.

وقد نقل ابن ناصر الدين ردًّا على علاء البخاري ما يربو عن نيف وثمانين إمامًا -ممن يُعتدّ بقولهم ويُشار إليهم بالبنان- سمَّوه بشيخ الإسلام، وأرسل ابن ناصر الدين الدمشقي كتابه إلى علماء الأمصار في زمنه لكي يقولوا قولهم فيه أيضًا، فوافقه على الكتاب علماء عصره كابن حجر العسقلاني والبدر العيني وغيرهما، وتلقوَّه بالقبول، وكتبوا تقريظًا للكتاب، وبيَّنوا أن الذامَّ لابن تيمية هو شاذٌّ عن مجموع المسلمين. فهل هذا الصنيع يحصل مع شخصية مثل شخصية ابن عربي؟!

يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني فيمن أنكروا عليه: “ومع ذلك فكلُّهم يعترف بسعةِ علمه وزهدِه، ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نُصرة الإسلام، والدعاء إلى الله تعالى في السرِّ والعلانية” ( [19] ) .

ويقول الأذرعي شيخ الشافعية وتلميذ السبكي: “الشيخ تقي الدين ابن تيمية أحد أئمَّة الإسلام الأعلام، وكان رحمه الله بحرًا من البحور في العلم، وجبلًا شامخًا لا يختلِف فيه اثنان من أهل العصر، ومن قال خلافَ ذلك فهو جاهلٌ أو معانِد مقلّدٌ لمثله، وإن خالف الناسَ في بعضِ مسائلَ فأمره إلى الله تعالى” ( [20] ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية