شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب

ويقول البدر العيني الحنفي : “وما هم -أي: المنكرون على ابن تيمية- إلا صلقع بلقع سلقع صلمعة بن قلمعة وهيان بن بيان وهي بن بي وصل بن ضل وضلال بن التلال.. فمن قال: إنه كافر فهو كافر حقيق، ومن نسبه إلى الزندقة فهو زنديق، وكيف ذاك وقد سارت تصانيفه في الآفاق وليس فيها شيء مما يدلّ على الزيغ والشقاق، ولم يكن بحثه فيما صدر عنه في مسألة الزيارة والطلاق إلا عن اجتهاد سائغ بالاتفاق، والمجتهد في الحالتين مأجور ومثاب، وليس فيه شيء مما يُلام ويُعاب، لكن حملهم على ذلك حسدُهم الظاهر وكيدهم الباهر، وكفى للحاسد ذمًّا آخرُ سورة الفلق في احتراقه بالقلق” ( [21] ) .

ثالثًا: تأمُّل موارد الخلاف بين ابن تيمية ومنتقديه :

من المهمِّ في هذه القضايا تأمّل موارد الخلاف ودراستها ومعرفة درجاتها، لا الاكتفاء بمجرد التقليد فيها؛ وذلك لأن المُعطيات التي جعلت البعض يتكلَّم في ابن تيمية مختلفةٌ كلّيًّا عن تلك المعطيات في ابن عربي؛ فإن الأول أخذوا عليه مسائل هو مسبوقٌ بها من الأئمة الأعلام وإن لم تكن مشتهرة في زمانهم.

وسوف نشير إليها إشارة سريعة على سبيل الاختصار وبيان من سبقوا شيخ الإسلام ووافقوه عليها:

1- مسائل فقهية:

كانت أهم المسائل التي انتُقدت على ابن تيمية من مسائل الفقه، ولا تثريب على المخالف فيها إن كان مجتهدًا، وهي فتواه في الطلاق ثلاث، وشدّ الرحال، ومسألة التوسّل. هذه المسائل المعدودة هي زبدة ما أخذه معاصروه عليه، كما ذكر ذلك ابن رجب وابن عابدين الحنفي والكشميري واللكنوي وغيرهم، وكلها من مسائل الفقه، وهو مسبوقٌ بها.

أما مسألة التحريم شدّ الرحل إلى القبور فهي وجه في المذهب الحنبلي، وهو اختيار ابن بطة وابن عقيل -وابن عقيل من أصحاب الوجوه-، يقول مرعي الكرمي عن مسألة شد الرحل للزيارة: “ومنهم من قال بالتحريم، واختار هذا القول ابن بطة وابن عقيل إماما الحنبلية، والإمام أبو محمد الجويني إمام الشافعية، وهو اختيار القاضي عياض في إكماله وهو إمام المالكية، ومال إلى هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية. والحجة في ذلك الحديثُ الصحيح، وهو قوله عليه السلام: « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الحديث » ، وقد انتصب للردّ على السبكي ابنُ عبد الهادي في مجلّد كبير سماه: (الصارم المنكي في الرد على السبكي)” ( [22] ) .

وقد نقل الحافظ ابن كثير دعوى مخالفيه أنه يمنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ثم قال: “فانظر الآن هذا التحريفَ على شيخ الإسلام! فإنَّ جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياءِ والصالحين، وإنما فيه ذكرُ قولَينِ في شد الرِّحَال والسَّفَر إلى مجرد زيارة القبور. وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى. والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرَّض إلى هذه الزيارة على هذا الوجه في الفتيا، ولا قال: إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة» . والله سبحانه لا يخفى عليه شيء، ولا تخفى عليه خافية: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]” ( [23] ) .

وأما مسألة وقوع الطلاق فاعتبرها الحنابلة وجهًا في المذهب؛ وهو قول المجد بن تيمية -جدّ شيخ الإسلام- وإن لم يعتمدوا هذا الوجه، قال ابن مفلح: “لم يوقع شيخنا طلاق حائض وفي طهر وطئ فيه، وأوقع من ثلاث مجموعة أو مفرقة قبل رجعة واحدة، وقال: إنه لا يعلم أحدا فرق بين الصورتين، وحكاه فيها عن جده” ( [24] ) .

وجوَّز تقليده -من أئمة المذهب- مرعي الكرمي ( [25] ) والرحيباني ( [26] ) من المتأخرين. واعتمد قوله المجامع الفقهية المعاصرة ودور الفتوى في العالم الإسلامي كالأزهر الشريف وغيره.

2- مسألة الصفات :

وأما الخلاف في مسائل الصفات فلا حاجة لحكايته؛ فإنه لا خصوصية لابن تيمية فيها، ولم تكن من المسائل المركزية التي أنكروها على ابن تيمية ومنعوه من الفتوى بسببها؛ لأنهم يعلمون أنه خلافٌ أشعري حنبلي، بل اشتدَّ الخلاف بعدما أفتى بمسألة الطلاق والزيارة ونحوهما.

كما لم يذكر المتأخّرون مسألة الصفات فيما أُخذ على ابن تيمية إلا مصحوبًا بذكر الحنابلة معه، فالذين ذمّوه لأجلها ذمّوا معه الحنابلة أيضًا، وقد سبق أن ذكرنا كيف نكَّلوا بالحافظ عبد الغني المقدسيّ، وحكموا عليه بالكفر والبدعة.

3- مسألة حلول الحوادث :

مسألة حلول الحوادث هي من المصطلحات المُجملة، وابن تيمية يقول بإثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل كما دلَّ الكتاب والسنة، ولا يعنيه تسميته بحلول الحوادث أو لا، والإمام البخاري ممن أثبت الحدَث غير المخلوق في أفعال الله تعالى، قال الإمام البخاري: “وأنَّ حدثه تعالى لا يُشبه حدث المخلوقين” ( [27] ) .

وليس الغرض هنا مناقشة المسألة، فلها مقام آخر، ولكنَّ الغرض بيان أن ابن تيمية مسبوقٌ بالمسألة، بل هو حقيقة مذهب أهل الحديث.

وقد رجع الفخر الرازي إلى القول بها في كتابه (المطالب العالية) حيث يقول: “هل يعقل أن يكون الله محلا للحوادث؟ قالوا: إن هذا قول لم يقل به إلا الكرامية. وأنا أقول: إن هذا القول قال به أكثر أرباب المذاهب، أما الأشعرية فإنهم يدَّعون الفرار من هذا القول، إلا أنه لازم عليهم من وجوه” ( [28] ) .

وقد نقل الحافظ ابن حجر اعترافَ الرازي في (المطالب العالية) بقول من قال: “إنه تعالى مُتكلّم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلًا وعقلًا” ( [29] ) .

4- مسألة تسلسُل الحوادث :

مسألة تسلسل الحوادث أزلًا لم ينفرد بالقول بها ابن تيمية أيضًا، بل هي مسألة تُناقش داخل الإطار الإسلاميّ، ولم يبتّ فيها علماء الإسلام؛ لأنها من المسائل المُخرَّجة على دوام أفعال الله تبارك وتعالى.

وبهاء الدين الإخميمي الذي ردَّ على ابن تيمية في حوادث لا أول لها لقَّب ابن تيمية في أول كتابه بـ (الشيخ الإمام العالم العلامة) ( [30] ) ، وحاول أن يتأوّل قوله على محمل حسن، ولم يجعل هذه المسألة من موجبات تكفيره ( [31] ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية