شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

ويقول مرعي الكرمي : “ولقد افتخر قاضي القضاة تاج الدين السبكي رحمه الله في ترجمة أبيه الشيخ تقي الدين السبكي في ثناء الأئمة عليه بأن الحافظ المزي لم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلا لأبيه وللشيخ تقي الدين ابن تيمية وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، فلولا أن ابن تيمية في غاية العلو في العلم والعمل ما قرن ابن السبكي أباه معه في هذه المنقبة التي نقلها، ولو كان ابن تيمية مبتدعا أو زنديقا ما رضي أن يكون أبوه قرينا له. نعم قد نُسب الشيخُ تقي الدين ابن تيمية لأشياء أنكرها عليه معاصروه، وانتصب للرد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في مسألتي الزيارة والطلاق، وأفرد كلًّا منهما بتصنيف، وليس في ذلك ما يقتضي شينَه أصلًا، وكل أحد يؤخَذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر -يعني النبي ﷺ- والسعيد من عدَّت غلطاته وانحصرت سقطاته” ( [19] ) .

الصلح بين التقي السبكي وابن القيم:

بعد موت شيخ الإسلام ابن تيمية اشتدَّ الخلاف بين السبكي وابن القيم، لا سيما بعد أن كتب ابن القيم قصيدته النونية المسماة (الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية)، ونقم عليه أيضًا فتواه بفتيا الطلاق، ولكن حصل الصلح بينهما قبل موت ابن القيم بعامٍ واحد.

قال الحافظ ابن كثير في أحداث 750هـ: “وفي يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي وبين الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، على يد الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب” ( [20] ) .

وتوسُّطُ العلماء المُحايدين بين ابن القيم والسبكي دليل على أنهما عندهم من جملة أئمة هذا الدين، إذ لا يضطر السبكي وغيره إلى مثل هذا الصنيع مع أتباع ابن عربي وابن سبعين وأشباههما.

تلاميذ تقيّ الدين السبكي :

إذا كان المخالفون يتترّسون بالخلاف الحاصل بين ابن تيمية والسبكي ويجعلونه تكأة لإثبات أن ابن تيمية شخصية جدلية مُختلفٌ فيها، نقول لهم: لماذا لم يأخذ تلاميذ السبكي بقول شيخهم في ابن تيمية؟!

الواقع أن أحدًا من تلامذة السبكي الفحول لم يتابعه على قوله، بل علماء تلك الفترة -المشهود لهم بالإمامة- ليس فيهم من ذم ابن تيمية، لا من تلامذة السبكي ولا غيره، بل الجميع أقروا بإمامته وسمَّوه شيخ الإسلام وإن خالفوه في مسائل.

ومن أمثلة تلامذة السبكي:

1- الشهاب الأذرعي:

شهاب الدين الأذرعي أحد كبار تلامذة السبكي، وأحد أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، ذهب إلى عقوبة من يقع في شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول رحمه الله: “الشيخ تقي الدين ابن تيمية أحد أئمَّة الإسلام الأعلام، وكان رحمه الله بحرًا من البحور في العلم، وجبلًا شامخًا لا يختلف فيه اثنان من أهل العصر، ومن قال خلافَ ذلك فهو جاهلٌ أو معانِد، مقلدٌ لمثله، وإن خالف الناسَ في بعضِ مسائلَ فأمره إلى الله تعالى. والوقيعة في أهل العلم -ولا سيّما أكابرهم- من كبائر الذنوب… -إلى أن قال:- ويُثاب وليُّ أمور المسلمين -أيده الله تعالى- على زَجْر هذا المعتدي الظالم لنفسه ولغيره . وكأنَّ المسكين المفتون لم يبلغه قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبّوا الأموات؛ فإنهم قد أفْضَوا إلى ما قدّموا» ، وغير ذلك مما جاء من التحذير من الوقيعة في أعراض آحاد الناس، فكيف في أكابر العلماء؟! وكأنه لم يبلغه قول بعضهم للرَّبيع بن خُثَيم: ما نراك تَعِيب أحدًا! فقال: لستُ عن نفسي براضٍ فأتفرّغ من عيبها إلى عيب غيرها. وقد قال بعض الأئمة: لي في عيوب نفسي شُغْل عن عيوب الناس. والله سبحانه وتعالى أعلم” ( [21] ) .

2- السراج البلقيني:

الإمام سراج الدين البلقيني -أجلّ تلامذة السبكي وأحد شيوخ الحافظ ابن حجر-، كان يُسمِّي ابن تيمية بشيخ الإسلام، قال ابن ناصر الدين: “شيخ الإسلام سراج الدين أبو حفص البلقيني، ذكر في بعض دروسه مسألة لم يرها لغيره، فاستطرد وحكى فيما ذكره لي بعض من كان حاضرا من الأئمة، قال: سمعته يقول: كان شيخ الإسلام ابن تيمية مرة يلقي درسا، فذكر مسألة قال عنها: هذه مسألة ليست في كتاب” ( [22] ) .

وقد قرأ الحافظ ابن حجر (الرد الوافر) المتضمن كلام البلقيني السابق وأقرَّه عليه، ولو أنه يعلم خلاف ذلك عن شيخه البلقيني لنبَّه على ذلك.

3- صلاح الدين الصفدي:

أحد كبار تلامذة السبكي وملازميه، وقد قرأ عليه كتاب (شفاء السقام)، ومدح تصنيفه ردًّا على ابن تيمية ( [23] ) .

ولم يمنعه ذلك من الثناء على ابن تيمية، يقول الصفدي رحمه الله: “وعلى الجملة فكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم، ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مائة سنة، وهم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، وقلت في ذلك:

ثلاثة ليس لهم رابع … فلا تكن من ذاك في شكّ

وكلُّهم منتسبٌ للتُّقى … يقصُر عنهم وصفُ من يحكي

فإن تشأْ قلت ابن تيمية … وابن دقيق العيد والسبكي ( [24] )

4- بهاء الدين الإخميمي:

هو أحد تلامذة السبكي، وصاحب الرسالة المشهورة (الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها). وعلى عكس ما هو شائع عند طلاب العلم، فالإخميمي من المُحبين لابن تيمية، ومن معظميه، ويُسمّيه بشيخ الإسلام، وسمَّى رسالته: (رسالة في الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية) ( [25] ) .

هكذا عنوان هذه الرسالة في المخطوط، وقد حذف د. سعيد فودة عبارة “شيخ الإسلام” من العنوان في المطبوع؛ بدعوى أنه من المحتمل أن تكون من كتابة بعض النُسَّاخ القدامى أو من محبِّ الدين الخطيب. وحتى لا يُتَّهم بالخيانة العلمية نبَّه على تصرّفه في العنوان في مقدمة تحقيقه.

ودليل سعيد فودة: أن الإخميمي لم يُلقّب ابن تيمية في أثناء الكتاب بشيخ الإسلام قطّ، وإنما لقبه بالشيخ الإمام العالم العلامة في بداية كتابه، وأما في أثناء الكتاب فذكره بالشيخ ابن تيمية أو بالعلامة ابن تيمية. فهل هذه تُعَدّ قرينة كافية للتصرُّف في عنوان المخطوط؟! كلا، فكثيً من العلماء ذكروا ابن تيمية بالشيخ اختصارًا، كما يذكرون النووي في تراجمه بـ”الشيخ النواوي”، ولم يمنع ذلك تلقيبهم له بشيخ الإسلام.

الصفحة السابقة الصفحة التالية