شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

ومن أوضح النماذج على ذلك: إغارة الوهابيين على أهل القصيم، فإنها لم تكن عدوانًا مبتدأً، بل جاءت بعد خيانة فجَّة ونقض معاهدةٍ مع الشيخ، حيث أرسل لهم الشيخ طائفة من العلماء والمعلّمين لنشر التوحيد وتعليم أحكام الشريعة، ثم لم يلبث أهل القصيم أن نقضوا العهد، وقتلوا الشيوخ العُزّل في وقعةٍ شنيعة معروفة بـ: (مذبحة المطاوعة).

قال المؤرخ ابن لعبون رحمه الله: “وفي سنة 1196هـ أقبل بنو خالد على القصيم، وانقلبوا عن الدين، وقتلوا من عندهم ممن ينتسب إلى الدين” يقصد دعوة التوحيد، ثم سمّى ابن لعبون رجالًا من أئمة المساجد والمعلمين [51] .

وقال ابن بشر رحمه الله في حوادث سنة 1196هـ: “وفيها أجمع أهل القصيم على نقض البيعة والحرب، سوى أهل بريدة والرس وتنومة، وقتلوا كلَّ من ينتسب إلى الدين عندهم، خصوصًا المعلّمين الذين يعلّمونهم أحكام الشريعة… فحين قَرُب سعدون بن عريعر من القصيم قام كل أهل بلد فقتلوا من عندهم من العلماء” [52] .

والشاهد من ذلك كلّه: أن السبب المباشر للغزو كان نقض العهد، وقتل الشيوخ العُزّل الذين لا ذنب لهم، وهو ما اضطر الأمير محمد بن سعود إلى التحرُّك العسكري، لا ابتغاء فرضٍ عقديٍّ بالسيف، بل ردًّا على عدوانٍ صريح، وحمايةً لأتباعه وحلفائه.

وعلى هذا فقِس سائر حروبهم التي خاضوها، لا سيما ضد من لم يباشر عبادة القبور ابتداءً؛ فإنها كانت من جنس هذا السبب: إمّا نقض العهود، أو المعاونة بالسلاح والمال لقوى معادية، لا لمجرد الخلاف الفكري من حيث هو. وقد أكد هذا المعنى ما قرّره الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالته إلى أهل مكة [53] .

والتكفير لبعض القرى لم يكن تكفيرًا للعوامّ، وإنما لولاة الأمور ممن أقيمت عليهم الحجة، وهو من باب الإطلاق (العام الذي أُريد به الخاص). وقد بيّن ذلك الشيخان حسن وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقولهم: “وقد يُحكم بأن أهل هذه القرية كفار… ولا يُحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه” [54] .

ولهذا لم يُنكر حسنات هذه الحروبَ الإمام الشوكاني رحمه الله فقال: “وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها أمور الجاهلية، وصار الإسلام فيها غريبًا، ثم مات محمد بن سعود، وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية، وقام ولده العزيز مقامه، فافتتح جميع الديار النجدية والبلاد العارضية والأحساء والقطيف، وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية” [55] .

وهذا يدل على أن النظر إلى تلك الحروب بوصفها مجرّد عنفٍ دينيٍّ مطلقٍ قراءةٌ مبتورة، لا تصمد أمام التحقيق التاريخيّ، ولا أمام شهادات المعاصرين.

الخاتمة:

وبعد هذا العرض، وما سُقناه من شهاداتٍ علميةٍ موثقة، وما أجبنا به عن الإشكالات المتداولة، يبقى أن تُقال للقارئ كلمةٌ من باب الإنصاف:

إذا كان علماء الأزهر الشريف -وهم ميزان الاعتدال العلمي في الأمة- وغيرهم من زعماء الإصلاح شرقًا وغربًا قد شهدوا للشيخ بالإمامة في باب الدعوة إلى التوحيد، مع إدراكهم لتعقيدات المرحلة وسياقاتها التاريخية، فليس من الحكمة ولا من الدين أن ننبش في تاريخٍ مضى ونستثير خصومات تمزّق الصف ولا تبني وعيًا.

إن اجتماع الكلمة بعد بيان الحجة ووضوح المحجة خيرٌ للأمة من فرقةٍ لا تزيدها إلا وهنًا، ولا يزال الخلاف إذا خرج من إطار العلم إلى دائرة الهوى سببًا في ذهاب الريح، وتبديد الجهود، واستنزاف الطاقات.

لسنا اليوم مطالبين بأن نُحبّ الأشخاص أو نُخاصمهم، وإنما أن نكون رحماء بأمّتنا، أمناءَ مع تاريخنا، عادلين مع علمائنا، ومن وقف حيث وقف القوم وأمسك لسانَه عمّا شجر بينهم وسار مع الجماعة حيث سارت الحجة فقد أخذ بالحظ الأوفر من العقل والدين معًا.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــ

(المراجع)

[1] ديانات وحضارات، طه المدور (ص: 139).

[2] حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر (1/ 839).

[3] مختصر مطالع السعود في أخبار الوالي داود (ص: 117)، وانظر: مشاهير نجد وأعلامهم (ص: 50).

[4] الإيمان والرد على أهل البدع (ص: ٥٣)، مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ونقلها أيضا صاحب كتاب (علماء نجد وغيرهم).

[5] كتاب الإجازة العلمية في نجد، قراءة استقرائية (2/ 518-521). وانظر: مخطوط الإجازة بخط المُجيز محفوظ بمكتبة ليدن برقم (2496).

[6] زعماء الإصلاح في العصر الحديث (ص: 19-21).

[7] تاريخ الإصلاح في الأزهر (ص: 220-221).

[8] المجددون في الإسلام (ص: 438).

[9] الأزهر في ألف عام (5/ 567).

[10] بيني وبين حامد الفقي (ص: ١١-١٢).

[11] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا (ص: 82).

[12] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا (ص: 117).

[13] المدخل إلى دراسة علم الكلام (ص: 117-118).

[14] شخصيات لها تاريخ (ص: 144).

[15] السلفية (ص: 52-52).

[16] مقام العقل عند شيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 5). وقد نشرته مجلة الأزهر.

[17] فقه العبادات (ص: 162)، وهو من ضمن مقررات المعهد العالي للدراسات الإسلامية بالدقي (معهد الباقوري سابقًا).

[18] المرجع السابق (ص: 164).

[19] جزء من لقاء مع الشيخ محمد الراوي في برنامج (لله ثم للتاريخ)، على قناة أزهري:

[20] من الحصاد القديم (ص: 12).

[21] من الحصاد القديم (ص: 260).

[22] الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه (ص: 139-140).

[23] من لقاء مع الشيخ عطية صقر على الرابط:

[24] دفاع عن السنة (ص: 10).

[25] من حوار صحفي مع الشيخ:

[26] عقيدة المسلم (ص: 162).

[27] عقيدة المسلم (ص: 72).

[28] كلمات في كشف أباطيل وافتراءات (ص: ٢٤).

[29] انتهى ملخصًا من كتاب: المطالعات الإسلامية في العقيدة والفكر (ص: 170-172) دار الكتب الإسلامية، 1983م.

[30] أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الفكر الإسلامي الإصلاحي بالجزائر (ص: 3-4).

[31] الفرق والمذاهب في العالم الإسلامي (ص: 471).

[32] الإمام محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة (ص: 10).

[33] السعوديون والحل الإسلامي (ص: 6-7).

[34] الأعلام (6/ 257).

[35] مذكرات شاهد على القرن (ص: ٣٠٦).

[36] مذكرات شاهد على القرن (ص: 261).

[37] الدعوة والدعاة في الإسلام (ص: 34).

[38] الحياة الأدبية في جزيرة العرب (ص: 13).

الصفحة السابقة الصفحة التالية