علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
أن علماء الأزهر الشريف أجمعوا على إمامة الشيخ رحمه الله، بل صفوة علماء الأمة ومؤرخيها ومفكريها بشتى مشاربهم -كما رأيت- اجتمعوا على مدح الدعوة الإصلاحية عبر أزمنةٍ متتابعة، وغلَّبوا محاسنها، وهو ما يُمكن أن نُسميه (ما استقر عليه العمل)، وقد استقر عملهم على قبول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والثناء عليه، والنظر إلى مجموع حسناته؛ فالإنصاف أن نقف حيث وقف القوم، لا أن نتجاوزهم إلى طعنٍ لم يعرفوه، ولا إلى خصومةٍ لم يستقر عليها نظر أهل العلم.
وليسعك -أيها القارئ الكريم- ما وسِعهم؛ فإن الأمة لا يستقرّ عملها دهرًا كاملًا على ضلالة، ولا أن تتلقّى رجلًا بالقبول جيلًا بعد جيل إلا لقيام أصلٍ معتبرٍ عندها، وإن وقع الخلاف في بعض الجزئيات أو الملابسات.
ولو لم يكن من الكفّ عن هذا الباب إلا جمع الكلمة وتسكينُ الثائرة وحقنُ الدماء المعنوية لكفى به مطلبًا شرعيًّا، إذ الاجتماع غايةٌ عظمى، والفرقة مفسدةٌ لا تخفى آثارها، وكما قال بعض السلف: إن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقها ولا أعظمها فيها شرفا.. ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق [48] .
ولستَ مطالبًا باتباع الشيخ، ولا باعتناق منهجه، ولكنك مطالب شرعًا وعقلًا بالكف عن إشعال الفتن، وإحياء الصراعات بين المسلمين، والطعن فيمن تلقّته الأمة بالقبول.
خامسًا: الإجابة عن بعض الإشكالات عن الشيخ رحمه الله [49] :
وحتى تتم الفائدة في هذا الباب رأيتُ أن أجيب اختصارًا على أهمّ ما قد يعنّ للقارئ الكريم من إشكالاتٍ ستبقى عالقة في ذهنه -حتى مع مدح العلماء للشيخ محمد بن عبد الوهاب-، فمن باب إتمام الفائدة وزيادة التوضيح والبيان سوف نتعرض لها بنوع من الإيجاز، وهي كما يلي:
إن قال قائل: سلَّمنا لكم أن إمامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت محلَّ إجماع وقبولٍ واستقرارٍ عند علماء الأزهر الشريف على مدار القرن الماضي، غير أن هذا لا يستلزم بالضرورة صحةَ ذلك الموقف القديم؛ لا سيما مع ما نُقل عن بعض معاصريه من ذمٍّ له، فضلًا عما ارتبط بدعوته من حروبٍ وأحداثٍ دامية. وجواب ذلك فيما يلي:
1- ذم بعض معاصريه له، الجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن مما تقرر عند أهل الشريعة أن ما استقرّ عليه عمل العلماء وتلقته الأمة بالقبول هو حجة معتبرة، ولا يُنقَض بمواقف عارضة أو خصوماتٍ وقتية. فإن ذيوع علم الرجل وانتشار كتبه واعتماد العلماء عليها والثناء المتتابع عليه عبر الأجيال كل ذلك من أقوى علامات القبول العلمي، وأبعدها عن المجاملة أو التواطؤ.
وذمَّ بعض معاصري الشيخ لا يُعارِض هذا الأصل؛ إذ كثيرًا ما يقع الذم في بدايات الدعوات أو عند ظهور الآراء الجديدة بسبب تضارب الأخبار، أو سوء الفهم، أو تداخل العلم بالسياسة والهوى، ثم لا يلبث الأمر -بعد التمحيص والتحقيق- أن يستقرَّ على خلاف ذلك. والعبرة في هذا الباب بما آل إليه نظر أهل العلم بعد الاستقرار، لا بما قيل في زمن الاضطراب.
ولهذا نظائر مشهورة في تاريخ الأمّة، منها مثلًا:
أ- الإمام أبا حنيفة رحمه الله، قد ناله ذمٌّ شديد من بعض السلف، ثم لما استقرّ النظر، وتحققت الأمة من مذهبه وأصوله، استقرّ عمل المسلمين على تلقيه بالقبول، وصار أحد أئمة المذاهب الأربعة المتبوعة.
ب- قراءةُ حمزة الزيات، فقد أُنكرَت عليه في بداياتها، وشدَّد عليه السلف في شأنها، ثم لما استقر نقلها، وتحقَّق الأئمة من صحتها وتواترها، أجمع المسلمون على قبولها، وعدّوها من القراءات السبع المتواترة، وصار إنكارها بعد ذلك شذوذًا لا يُلتفت إليه.
ج- الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله، فقد ناله من المتمذهبين طعنٌ شديد حتى أحرقوا كتبه، وأهدره العلماء في بادئ الأمر، ثم أنصفه الأئمّة المحقّقون كابن تيمية والذهبي، ومع توالي القرون استقرّ عمل المسلمين على تلقّي علمه بالقبول، مع التحفّظ على بعض شذوذه كما هو الشأن في غيره من الأئمة.
وعلى هذا يُحمَل ما وقع من ذمٍّ للشيخ محمد بن عبد الوهاب في بدايات دعوته، فإنه ذمٌّ لم يثبت بعد التحقيق، ولم يستقر عليه عمل المسلمين، بل الذي استقر -لا سيما في القرن الماضي وما قبله- هو الثناء عليه، والإقرار بإمامته في باب الدعوة إلى التوحيد، وهو الميزان الذي يُرجَع إليه عند أهل الشريعة، لا ما قيل في زمن الفتن والخصومات.
الوجه الثاني: لا يُسلَّم أن جميع معاصري الشيخ ذمّوه، بل هناك من مدحوه وتابعوه، وأشهرهم أكبر تلامذة ابن فيروز، وهو أحمد بن رشيد الأحسائي الحنبلي -وهو شيخ الحنابلة في وقته-، فقد صحّح مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأثنى على تلامذته وأولاده، ولما دخل إبراهيم باشا إلى مكة طلب منه أن يترك دعوتهم فرفض، وناله أذى شديد، ونُفي إلى مصر مع أبناء الشيخ وتلامذته [50] .
وأيضًا الشيخ الفقيه الأصولي خوقير المكي -وهو تلميذ الزيني دحلان-، وهو صاحب (مختصر خوقير)، لما تحقق من صواب دعوتهم ترك مذهبه، فناله أذًى شديد وسُجن في مكة.
وأيضًا هناك من أنصف الشيخ مثل الإمام الشوكاني، والجبرتي، والسويدي، والفاخوري، والآلوسي، ولولا خشية الإطالة لنقلنا كلامهم كاملًا، فدعوى أن جميع العلماء في بادئ الأمر ذموه محلُّ نظر.
2- بيان سياق الحروب ووجه تسويغها تاريخيًّا:
أما ما يُثار من الاعتراض بالحروب التي وقعت في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فينبغي التنبيه ابتداءً إلى أصلٍ منهجيٍّ مهم، وهو أن الوقائع التاريخية يجب تُستقرأ كاملةً في سياقها الزمني والسياسي والاجتماعي، وإلا آل الأمر إلى تشويه التاريخ لا قراءته.
فإن النظر المحقّق يُظهر أن تلك الحروب لم تكن بلا سبب، بل كانت في جُملتها ذات أسباب حقيقية، مبنية على نقض العهود، أو الاعتداء، أو التحالف العسكري مع قوى معادية، وهو ما يُعدّ في جميع الأعراف الشرعية والسياسية مسوِّغًا للحرب.