شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

تقول الدكتورة آمنة: “حل القرن الثاني عشر الهجري، كان المسلمون قد هبطوا فكريًّا إلى حد الاحتجاب الكامل عن حقائق الإسلام وكلياته الأساسية في شتى مجالات العقدية بما ينبثق عنها من عبادات ومعاملات، وأصبح معوّل الناس في سائر هذه الأمور على تقليد آراء السابقين، ووصل جمود التقليد إلى حد تقديس المذاهب، كما لو كان المذهب دينًا مستقلا لا يجوز للمنتسب إليه الخروج عنه أو تقليد غيره في قليل أو كثير، وساد بين الخاصة والعامة وهم مفاده: غلق باب الاجتهاد.

وبسيادة هذا الوهم فسدت العقائد، وتلبس التوحيد بالشرك الخفي والجلي، وكسدت بضاعة العلم والمعرفة لتروج الأساطير والخرافة، وتحلل الناس من تكاليف الشرع بشتى الحيل، وتلاشت سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولم يكن من سبيل إلى الإصلاح إلا بعلاج الداء من جذوره، دون الوقوف عند عرض من أعراضه. كان العلاج في تصحيح العقيدة بإعادة التوازن بين دور العقل وحجية النقل، ولا سبيل إلى ذلك إلا بفتح باب الاجتهاد، ولم يستطع أحد من رواد الفكر ولم يخل منهم قرن أن ينهض بهذا العبء، حتى ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب المولود عام ١١١٥هـ” [32] .

20- المؤرخ الكبير محمد جلال كشك:

صاحب المصنفات المعتمدة بالأزهر الشريف، ومنها مصنفه المشهور (ودخلت الخيل الأزهر) وغيرها من الكتب التي سارت بها الركبان شرقًا وغربًا.

يقول رحمه الله: “جاء محمد بن عبد الوهاب في وقت كانت الأمة الإسلامية مع تسليمها بالهزيمة المادية مُتشبثة باقتناعها بتفوقها الفكري والروحي، وأن هذا التفوق المادي لخصمها هو ظاهرة مُخالفة لقوانين الطبيعة أو انقلاب المطبوع واختلال الموضوع، كما كان المؤرخون يؤرخون انتصارات الفرنجة المتتابعة، وكانت التفسيرات تنطلق من إيمان مُطلق بصوابية الحل الإسلامي، ومن ثم فكل ما نزل بنا سببه الانحراف عن هذا الحل، وكل المطلوب هو حفنة من المؤمنين تجدد أمر هذا الدين، فيُعيد التاريخ سيرته أو قل يستأنف مسيرته… وفعلًا جاءت الوهابية تؤكد هذا الاقتناع، إذ استطاع رجال لا ينتمون لعزوة قبلية ولا إلى دولةٍ غنية ولا إلى خلفيةٍ حضارية أن ينفضوا غبار التاريخ عن بيئتهم ومجتمعهم ووطنهم، وأن يشغلوا العالم بالمسألة السعودية والحل الإسلامي” [33] .

ثالثا: شهادات علماء وأدباء ومؤرخين معتمد فكرهم لدى الأزهر الشريف:

1- الأستاذ خير الدين الزِّركلي خاتمة المؤرخين:

وتاريخه معتبر، ومعترف به في الأزهر الشريف، يقول رحمه الله: “محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب. ولد ونشأ في العيينة (بنجد) ورحل مرتين إلى الحجاز، فمكث في المدينة مدة قرأ بها على بعض أعلامها. وزار الشام. ودخل البصرة فأوذي فيها. وعاد إلى نجد، فسكن (حريملاء) وكان أبوه قاضيها بعد العيينة. ثم انتقل إلى العيينة، ناهجا منهج السلف الصالح، داعيا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهام. وارتاح أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر إلى دعوته فناصره، ثم خذله، فقصد الدرعية (بنجد) سنة ١١٥٧هـ فتلقاه أميرها محمد بن سعود بالإكرام، وقبل دعوته وآزره كما آزره من بعده ابنه عبد العزيز ثم سعود بن عبد العزيز، وقاتلوا من خلفه، واتسع نطاق ملكهم فاستولوا على شرق الجزيرة كله، ثم كان لهم جانب عظيم من اليمن. وملكوا مكة والمدينة وقبائل الحجاز. وقاربوا الشام ببلوغهم (المزيريب).

وكانت دعوته، وقد جهر بها سنة ١١٤٣هـ (١٧٣٠م) هي الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله: تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها، فظهر الآلوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان، ومحمد عبده بمصر، وجمال الدين القاسمي بالشام، وخير الدين التونسي بتونس، وصديق حسن خان في بهوبال، وأمير علي في كلكتة، ولمعت أسماء آخرين” [34] .

2- مالك بن نبي – عالم الاجتماع والمُلقَّب بابن خلدون الثاني:

يقول رحمه الله: “الأمر الذي لا شك فيه، والذي كنت -حسب اعتقادي- أعلم المسلمين به هو أن الاستعمار كان يتضايق كثيرًا من تولي الدولة السعودية على الأرض المقدسة؛ لأنها ستصبح هكذا منارة إشعاع للفكرة الوهابية، يعني في نظري سيطرة الفكرة الإسلامية الوحيدة التي تصلُح بما فيها من طاقة مُتحركة، لتحرير العالم الإسلامي المنهار منذ سقوط خلافة بغداد.

وهذه النظرة الاستعمارية كانت نظرة خبير لا يعلم مدى صحتها في تلك الحقبة، إلا من كان يتتبع عن كثب تداخل القابلية للاستعمار والاستعمار، بالإضافة إلى أن موسوليني كان يعلم أن التوسع الاستعماري لم يبق له مكانًا في خريطة العالم الإسلامي سوى اليمن، وفي إفريقيا سوى الحبشة، ومن ثمة نفهم اهتمامه بأمور اليمن وخشيته من السيطرة الوهابية عليها، فلا غرابة إذن أن نراه يفكر أولًا في تحصين مستعمرته المقبلة قبل أن يضفي عليها في مرحلة ثانية، اللون الأخضر لون الامبراطورية الفاشية على الخريطة” [35] .

كما لا يجد مالك بن نبي غضاضة في أن ينسب أفكاره الإصلاحية إلى الوهابية قائلًا: “أما صديقي صاحب المقهى -وكنا نسميه (ولد جدنا) الذي ما زالت قدمه راسخة بزاوية القادرية- فقد فضَّل الصمت حتى لا يتورَّط في نظرياتي الإصلاحية الوهابية الوحدوية” [36] .

3- مصطفى صادق الرافعي الأديب الأريب وحجة العرب:

يقول: “فإن هدف الحركة السلفية الديني هو كما أسلفت العودة بالمسلمين إلى ينابيع الإسلام الأولى. أما هدفها السياسي فكان ينحصر في تقويض الحكم التركي وتحرير الأماكن المقدسة. وإذا صح الحديث: «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها»، فإنني لا أشك في أن محمد بن عبد الوهاب المولود في مطلع القرن السابع عشر الميلادي هو أحد المعنيين في هذا الحديث النبوي الشريف.

الصفحة السابقة الصفحة التالية