شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

ذلك أن الانحطاط الخلقي في ذلك العصر والانحلال الديني إلى جانب الاضطراب الشامل في مختلف نواحي الحياة، وفوق هذا وذاك رجال الدين الرسميون الذين كانت تصنعهم الدولة العثمانية وتبوِّئهم المناصب الرفيعة، لتسيطر بواسطتهم على جماهير الأمة العربية، على نحو ما كان يصنع الأباطرة الأقدمون مع رجال الكنيسة، فانتشر الجهل نتيجة لذلك، وألبس جوهر الوحدانية قشور الصوفية، وعمّت الأباطيل والخرافات، واستبيحت المحرمات، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار المسلمون يتمسكون بالقشـور من الإسلام دون اللباب، ولم تسلم مكة المكرمة والمدينة المنورة مما أصاب سائر مدن الإسلام.

في هذا الجو المليء بالمآسي المضطرب النظام ظهر محمد بن عبد الوهاب، يعلنها صرخة قوية بالحق، مدوية كالرعد، مقدسة كالإيمان، بأنه لا يبغي بغير إصلاح المسلمين بديلًا. فاشتعلت نار السلفية، واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، تحضّ المسلمين أجمعين على بناء ما تهدم من أركان دينهم، واستعادة ما فقد من تليد مجدهم، وإصلاح نفوسهم وأحوالهم. فبدت تباشير النهضة السلفية في الحقل الديني” [37] .

4- طه حسين عميد الأدب العربي:

يقول متحدّثًا عن الوهابية: “إن هذا المذهب الجديد قديم، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر؛ لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي خالصًا لله وحده، ملغيًا كل واسطة بين الله وبين الناس، هو إحياء للإسلام العربي وتطهير له مما أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرب، فقد أنكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة، كانوا يعظمون القبور ويتخذون بعض الموتى شفعاء عند الله ويعظمون الأشجار والأحجار، ويرون أن لَها من القوة ما ينفع ويضر، وكانوا قد عادوا في سيرتهم إلى حياة العرب الجاهليين فعاشوا من الغزو والحرب ونسوا الزكاة والصلاة، وأصبح الدين اسمًا لا مُسمى له، فأراد محمد بن عبد الوهاب أن يَجعل من هؤلاء الأعراب الجفاة المشركين قومًا مسلمين حقًّا على نحو ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل الحجاز منذ أكثر من أحد عشر قرنًا.

ومن الغريب أن ظهور هذا المذهب الجديد في نَجد قد أحاطت به ظروف تذكر بظهور الإسلام في الحجاز، فقد دعا صاحبه إليه باللين أول الأمر فتبعه بعض الناس، ثم أظهر دعوته فأصابه الاضطراب وتعرض للخطر، ثم أخذ يعرض نفسه على الأمراء ورؤساء العشائر كما عرض النبي نفسه على القبائل، ثم هـاجر إلى الـدرعية وبايعه أهلها على النصر كما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة… ولولا أن الترك والمصريين اجتمعوا على حرب هذا المذهب، وحاربوه في داره بقوى وأسلحةٍ لا عهد لأهل البادية بها لكان من المرجو جدًّا أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول” [38] .

5- مصطفى لطفي المنفلوطي أديب مصر الكبير:

أما المنفلوطي فكتابه “النظرات” منظومة أدبية إصلاحية تلامس الواقع مستوحيًا ذلك من الدعوة السلفية الإصلاحية، فيعيب على علماء الأزهر في عصره الذين سكتوا عن التوسل بالأضرحة قائلًا: “إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم: (كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف)، فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصِّصون قبرا أو يتوسلون بضريح؟! وهل تعلمون أن أحدا منهم وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر أحد من الصحابة وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج كربة؟! وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين؟! وهل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثا ولعبا أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟! وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك ويفسد عقيدة التوحيد؟!

والله، ما جهلتم شيئا من هذا ولكنكم آثرتم الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب” [39] .

6- الأستاذ عباس محمود العقاد أديب مصر الأول:

يقول رحمه الله: “فالنهضة في مصر بدأت عند أوائل القرن التاسع عشر، ولكنها بدأت في الجزيرة العربية بنحو ستين سنة بالدعوة الوهابية التي تُنسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبدأت في اليمن بدعوة الإمام الشوكاني صاحب كتاب نيل الأوطار… ولم تذهب صيحة محمد بن عبد الوهاب عبثًا في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه فقد تبعه كثير من الحجاج وزوار الحجاز وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأعجب المسلمين أن سمعوا أن علة الهزائم التي تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه، وإنهم خلقاء أن يستجدوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب البدع والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه” [40] .

ويقول أيضًا: “وظاهرة من سيرة محمد بن عبد الوهاب أنه لقي في رسالته عنتًا، فاشتد كما يشتدّ من يدعو غير سميع ومن العنت إطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضرّ ولا ينفع والتماس المصالح بغير أسبابها، وإتيان المسالك من غير أبوابها، وقد عبّر على البادية زمان يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين، ويدعون السعي من وجوهه توسلًا بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الاستسقاء ودفع الوباء، فكان حقًا على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابيّة أنها صرفتهم عن ألوان البدع والخرافات” [41] .

رابعا: شهادات مدارس أخرى مُعتمدة فكريًّا من الأزهر الشريف:

1- السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف علامة الصوفية ومؤرخها:

الصفحة السابقة الصفحة التالية