علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه
مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ
يقول رحمه الله: “والحبيب علوي بن سقاف الجفري له رسالة سماها: (الدلائل الواضحة في الرد على رسالة الفاتحة)، ترجم فيها لابن تيمية وتلميذه ابن القيم وللشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة المشهورة، وأطنب في الثناء عليهم، ولمَّا اطلع عليها الحبيب عبد الله بن حسين كتب عليها بخطه: (علوي بن سقاف يقول الحق ولو كان مُرًّا)… -إلى أن قال:- ومن هذا أنه قد أخذ الجماعة كلهم [يعني: الصوفية] عن السيد أبي بكر بن هندوان وهو وهابيٌّ قحّ، وتبيّنتُ أن عند مولانا شيخ الوادي الحسن بن صالح مِسحة من تلك الآراء بغاية الاعتدال؛ لموافقتها لِما هو فيه استغراقٌ في تجريد التوحيد وعدم التفاته إلى غير العزيز الحميد. ولا يُشكل ما في (بغية المسترشدين) عن فتاوى سيدي الحبيب علوي السقاف الجفري من جواز التوسل؛ لأنه إنما يُبيح منه ما لا يوهم القدح في التوحيد” [42] .
2- الشيخ العلامة خليل أحمد السهارنفوري الحنفي:
وهو صاحب كتاب (بذل المجهود في شرح سنن أبي داود)
كان هذا العالم في مكة المكرمة وقتَ دخول الملك عبد العزيز مكة المكرمة، وكان بيت الشيخ قريبًا مع بيت العلامة عبد الله بن بليهد النجدي، فحصلت بينهما مناقشاتٌ تبيَّن للشيخ من خلالها أن مذهب الوهابيين لا يخرج عن جملة مذاهب أهل السنة المقبولة.
فكتب إلى أصحابه في الهند قائلًا: “إنه تكثر اللقاءات والمحادثات فيما يتّصل بالمسائل الدينية بيني وبين الشيخ عبد الله بن بليهد -رئيس القضاة- الذي يُجاور بيته بيتي، والرجل عالم ديني كبير، على مذهب أهل السنة والجماعة، آخذًا بمذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، مشغوفٌ بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، كثير الرجوع إليهما -وكلا الإمامين من أجلة العلماء عند علمائنا أيضًا- شديد الكراهية للبدع والمحدثات، قد جعل عقيدة التوحيد والنبوة أساس إيمانه وأصل عقيدته، وبالجملة فإني لم ألمس إلى حدّ تتبعي أيّ شذوذٍ منهم عن عقائد أهل السنة، ومعظم أهل نجد يحبون تلاوة القرآن، ويكثر فيهم حفاظ القرآن الكريم، يُحافظون على الصلاة جماعة، وهذه الأيام برد قارس في المدينة المنورة، ولكنهم يواظبون على الحضور حتى في صلاة الفجر جماعة، وعلى كلٍّ فإن وضعهم الديني جيد جدًّا فيما رأيت” [43] .
ولما ظهر الكلام بأن الحكومة السعوديّة هدمت الأضرحة، وظهرت الدعاوى أنهم يريدون الانتقام من الصحابة والأولياء بهدم قبابهم، وغيرها من هذه الترَّهات، راسله علماء الهند للتحقق من هذا، فكتب إليهم العلامة السهارنفوري رسالة جاء فيها: “أعتقد أن الحكومة السعودية ميّالة إلى الدين بالنسبة إلى هذا الزمان، وأنها مُخلِصة في منجزاتها وأعمالها، وما تمّ من المنجزات الكبيرة ليس فيه ما لا يمُتّ -فيما أرى- للدين بصلةٍ ما، وما صدر منها من الزلات الصغيرة فإنَّ ذلك فيما لمستُ يرجع إلى أن الحكومةَ ينقصها رجال صالحون من أولي الكفاءات الإدارية، مما يُسبّب تقصيرًا في بعض الجوانب الإدارية والتنفيذية، وأما السلطان ابن سعود فإنه في ذاته رجلٌ متديّن، يتّصف بغاية من الحكمة والحلم، ولكن الرجل وحده لا يستطيع أن يصنع شيئًا ما لم تكن عنده أيدٍ عاملة ورجال وأعوان، وقد بلغ الأمن إلى أنّ الراحلة أو راحلتين تختلف وحدها فيما بين مكة والمدينة المنورة والينبوع وجدة، ولا يشكو أحدٌ خوفًا ولا غائلة، أما الشكوى التي تدور فيما بين الجماهير فإنَّ مثارها هو تحطيم القباب على القبور والضرائح التي جعلها الجهال -والروافض معهم- أساسَ دينهم وعقيدتهم، فإني أرى أن هدمها كان واجبًا، ولم تقم الحكومة بهذه الخطوة الجريئة إلا بعد الاستفتاء من عماء المدينة المنورة، وافتَوهم بجواز هذه العملية” [44] .
3- علماء جامعة ديوبند الصوفية الماتريدية:
وهي من الجامعات الماتريدية المعترف بها فكريًّا عند الأزهر الشريف.
لما انتشرت كتب الزيني دحلان والتي فيها أن محمد بن عبد الوهاب يُكفِّر العلماء الماضين ويقول: إنَّ عصايَ هذه خيرٌ من محمد، وغير ذلك من الدعاوى، كلَّف شيوخ جامعة ديوبند الشيخ النعماني بدراسة كتب الوهابيين ومخالفيهم ليحكم على الطرفين بإنصاف.
ثم بعدها قام بتأليف كتاب (دعايات مُكثّفة ضدّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب) قام بتقريظه الشيخ محمد طيب رئيس جامعة دار العلوم بديوبند، والعلامة المُحدث الصوفي محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي.
قال الشيخ النعماني في كتابه: “كاتب هذه السطور يؤكد -في ضوء دراسته- أنه لا يصحّ شيء من هذه التّهَم، وقد جاء تفنيدها صريحًا في مؤلفات وكتابات الشيخ والمؤلفين الآخرين من أتباعه، وسوف يمرّ كلّ ذلك بالقراء الكرام في الصفات الآتية. ويبدو أن الشيخ دحلان لم يطلع على كتاب من الكتب التي ألفها أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجديّ في شرح دعوتهم وفكرتهم، كما أنه لم يشعر بضرورة البحث والتنقيب قبل أن يرميهم بهذه التهم اللاذعة” [45] .
ومع هذا فقد خالف الشيخ النعماني الوهابيين في بعض المسائل، وقال: “لكنَّ هناك اختلافًا -على الرغم من هذا التوافق والانسجام بين علمائنا وعلماء نجد- في بعض المواقف والقضايا الفرعية”. ثم ذكر مسألة التوسّل بذوات الصالحين، وشدّ الرحل بنيّة زيارة القبر الشريف، والاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم عند زيارة قبره، ونداء النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر من باب الاستحضار في القلب -حيث ذكر النعماني أن الوهابيين يرونه شركًا-، ومسألة تارك الصلاة كسلًا [46] .
ثم ردَّ النعماني على أدلة الوهابيين في تلك القضايا، لكنه في النهاية ذهب إلى أن مخالفات الوهابيين هي من قبيل الخلاف العلِمي السائغ، فقال: “على كلٍّ، فأيُّ قضية من هذه القضايا المُختلَف فيها فيما بين علماء نجد وعلمائنا ليس مما يُفسَّق به فريق من الفريقين، أو يعتبره مارقًا من الدين أو خارجًا عن دائرة أهل السنة والجماعة” [47] .
وذكر السبب في ذلك أن هذه القضايا قديمة بقدم ابن تيمية والتقي السبكي وابن عبد الهادي وغيرهم.
ومما سبق يتبيَّن :