معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة
مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف
وكذلك نقل الشعراني عن ابن عربي قوله في رسالة لفخر الدين الرازي صاحب التفسير : “إن الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ ….. ولو أنك يا أخي سلكت على يد شيخ من أهل الله عز وجل لأوصلك إلى حضرة شهود الحق تعالى ، فتأخذ عنه العلم بالأمور من طريق الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصب ولا سهر ، كما أخذه الخضر عليه السلام ، فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظن وتخمين ، وكان أبو يزيد البسطامي يقول لعلماء عصره أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت ..” ( [19] ) .
4 – تسمية العلوم الناتجة عن الكشف والإلهام بالعلوم الإلهامية التي لا تحصل بالتعلم والدراسة والكتابة ، بل بانقطاع علائق الدنيا بالكلية ، وتفريغ القلب منها ، وبقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن ، وعن العلم والولاية والجاه ، وفي هذا قال أبو حامد الغزالي : “فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية ، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة ، بل قالوا : الطريق تقديم المجاهدة ، ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها ، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ، ومهما حصل ذلك ، كان الله هو المتولي لقلب عبده ، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم …. فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور ، لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب ، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها … وزعموا أن الطريق في ذلك أولا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية ، وتفريغ القلب منها ، وبقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن ، وعن العلم والولاية والجاه …” ( [20] ) .
كذلك تسمية العلوم الناتجة عن الكشف والإلهام بعلوم الإشارة ، وإنما سميت بذلك لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن العبارة عنها على التحقيق ، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد ، ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحل تلك المقامات ( [21] ) .
واستدل المتصوفة على مشروعية الكشف والإلهام بنصوص القرآن الكريم والحديث النبوي ، ومنها ( [22] ) :
1 – قوله تعالى : (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين) الأنعام [76] .
2 – قوله تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) الطلاق [2، 3] ، والرزق نوعان : روحاني وجسماني .
3 – قوله تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) البقرة [281] ، أي يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية .
4 – ما أخبر به الله سبحانه عن الخضر عليه السلام حين صحب موسى عليه السلام .
5 – قوله صلى الله عليه وسلم : (أقيموا صفوفكم ، فإني أراكم من وراء ظهري) ( [23] ) .
6 – قوله صلى الله عليه وسلم : (لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدَّثون ، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر) ( [24] ) .
7 – ما روي في الحديث : (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات) ( [25] ) .
8 – ما روي في الحديث : (إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى ، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى ، فلا تحقروا عالما آتاه الله علما منه ، فإن الله عز وجل لم يحقره إذا آتاه إياه) ( [26] ) .
9 – ما روي في الحديث : (إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله ، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله) ( [27] ) .
10 – ما روي في الحديث : (سألت جبريل عن علم الباطن فقال سألت الله تعالى عن علم الباطن فقال هو سر من سري أجعله في قلب عبدي لا يقف عليه أحد من خلقي) ( [28] ) .
ومما سبق نخلص إلى أن الكشف والإلهام لدى المتصوفة يعني أخذ العلم والمعرفة دون واسطة أو وسيلة ، أو الانتقال إلى حالة روحية ونفسية وشعورية مغايرة أو رفع الحجاب عن القلب ورفع الستار عن النفس حيث يتلقى المؤمن الفهم والمعرفة والعلم دون تعلم أو تتلمذ .
كما نخلص إلى أن المتصوفة هي الفئة من المسلمين التي فصلت الكتابة حول هذا الموضوع والحديث في مفاهيمه وحقائقه وأسراره .
2 – الرد على المتصوفة في هذه المسألة :
إذا اعتمد المتصوفة الكشف والإلهام وسيلة من وسائل تحصيل العلوم والمعارف ، ودليلا موثوقا يجب العمل به والاستناد إليه ، ذلك يبعث إشكالات وتحفظات عديدة ، من أهمها :
1 – مصادره وطرقه غير منضبطة ، وواسطة إثباته واحتمالية وقوعه ظنية غير مؤكدة ، لهذا قد يكون دليلا خاصا ذاتيا متعلقا بصاحبه ، ولا يمكن تعميمه أو الاستناد إليه في حالات مشابهة أخرى ، ومن باب أولى لا يمكن قبوله دليلا في الشريعة الإسلامية إذا لم يكن له أصل ومعنى من القرآن الكريم والحديث النبوي الصحيح .
2 – قيم الأمور والأشياء تتباين تبعا لتباين الكشوف والإلهامات واختلافها ، وبناء على ذلك قد يرى المتصوف الأمر صوابا بينما يراه غيره خطأ .
3 – العلوم الإلهامية أو الوهبية ، إذا كانت صحيحة المعاني والأحكام ، ومتضمنة في العلوم الإسلامية التعليمية ، فلا يحتاج إلى تمييزها وفصلها عن العلوم الإسلامية .
4 – يميز المتصوفة في أقوالهم وأحاديثهم بين أهل الظواهر والرسوم ، يعنون بهم الفقهاء والعامة ، وأهل الحقائق وبواطن الأمور وغوامضها ، ويعنون بهم المتصوفة ، ومن الحقائق ما لا يتوصل إليه إلا بواسطة الكشف والإلهام ، وهذا الفصل بين أهل الظواهر وأهل البواطن هو مبدأ التأويل والتفسير للآيات القرآنية والأحاديث النبوية دون التقيد بالمأثور من القرآن والسنة ، وهو مبدأ دخول مصادر أجنبية واعتمادها بالموازاة مع مصادر الشريعة الإسلامية .
5 – من آثار الكشف والإلهام عند المتصوفة الإتيان بأحكام ومبادئ مخالفة للدين الإسلامي ، وهذا ما فتح الباب لمتصوفة الملل والنحل المختلفة أن يأتوا بمعتقدات ومبادئ وأحكام جديدة ، مستلهمين من بعض متصوفة المسلمين .