شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة

مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف

6 – كيف يتفق الأنبياء والأولياء – مع التباين الذي بينهم – في تلقي الوحي الإلهي ومعرفته ؟ ! ، الأنبياء بشر اصطفاهم الله سبحانه وأخبر عن اصطفائهم واختيارهم ، وهم أمناء على وحي الله وتبليغه إلى أممهم ، أما الأولياء فهم الذين تحقق فيهم الإيمان والتقوى ، فولايتهم تبع للإيمان بالأنبياء ومتابعتهم .

7 – ينقسم الكشف الروحي إلى كشف رباني وهو ما وافق القرآن الكريم والحديث النبوي ، أو كشف نفساني وهو حديث النفس وهواجسها ، وهذا يعود إلى حال العبد وما ينتابه في حياته ، أو كشف شيطاني يتمثل في وساوس الشيطان الداعية إلى ارتكاب الذنوب والآثام ، لذا لا يجزم بصدقه وصوابه حتى يعرف من أي الأقسام هو .

8 – رغم أن المتصوفة يقررون أن التصوف مستند إلى القرآن الكريم والحديث النبوي ، وأن أي قول ينبغي أن يوزن بميزانهما ، فإن وافقهما يؤخذ به ، وإن خالفهما لا يلتفت إليه ، إلا أن بعضهم لم يعملوا بهذا التأسيس ، فنجد كثيرا من أقوالهم وكشوفاتهم وإلهاماتهم لم تنضبط بضوابط الشريعة الإسلامية ، بدعوى أن أقوالهم لا يستطيع أن يفهمها العامة ، أو أنها قيلت في حال السكر والغيبة ، أو أن ظاهرها غير مراد ، والأمثلة على هذا عديدة ، منها :

أ – قسّم ابن عربي العقيدة الإسلامية إلى ثلاث عقائد ، قال : “فهذه عقيدة العوام من أهل الإسلام أهل التقليد وأهل النظر … وسميتها برسالة المعلوم من عقائد أهل الرسوم .. ثم أتلوها بعقيدة خواص أهل الله من أهل طريق الله من المحققين أهل الكشف والوجود … وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض” ( [29] ) .

ب – نسب ابن عربي عمله البشري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاه العصمة والصدق وعدم احتمال الزلل والخلل ، قال في مقدمة كتابه فصوص الحكم : “أما بعد ، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مبشرة أرِيتها في العشر الآخِر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق ، وبيده صلى الله عليه وآله وسلم كتاب ، فقال لي : هذا (كتاب فصوص الحكم) خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به ، فقلت : السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا ، فحققت الأمنية وأخلصت النية ، وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة ولا نقصان” ( [30] ) .

ج – كذلك لم يقبل ابن عربي الانتقادات الموجهة للمتصوفة ، حيث قال : “اعلم أن الدعاوى لما استطال لسانها في هذا الطريق من غير المحققين قديما وحديثا جرد صاحب الذوق التام محمد بن علي الترمذي الحكيم مسائل تمحيص واختبار وعددها مائة وخمسة وخمسون سؤالا لا يعرف الجواب عنها إلا من علمها ذوقا وشربا ، فإنها لا تنال بالنظر الفكري ولا بضرورات العقول ، فلم يبق إلا أن يكون حصولها عن تجل إلهي في حضرة غيبية ” ( [31] ) .

د – أعطى محمد بن علي الترمذي الحكيم العصمة لكلام المحدثين والمتكلمين ، كما روي عنه قوله : “المحدث والمتكلم إذا تحققا في درجتهما لم يخافا من حديث النفس ، كما أن النفوس محفوظة بالنسخ لإلقاء الشيطان ، كذلك محل المكالمة والمحادثة مصون عن إلقاء النفس محروس بالحق” ( [32] ) .

ه – قرر الشعراني أن علوما وأسرارا تنتج للمتصوف من طريق الخلوة دون تعلم ودون تتلمذ ، قال : “فهذا كتاب نفيس ليس في ذخائر ملوك الدنيا مثله سميته بالجوهر المصون والسر المرقوم فيما تنتجه الخلوة من الأسرار والعلوم ، وضمنته أسرارا غريبة وعلوما شريفة فاخرة عجيبة ، لا مرقى لأحد إلى التسابق إلى معرفة شمس من أسراره وعلومه بالفكر ولا إمعان نظر في كتب ، وإنما ذلك هبة من الله تعالى لمن شاء من عباده المختصين ، إما من طريق الخلوة .. وإما من طريق الجذب الإلهي للعبد ..” ( [33] ) .

و – نسب عبد الكريم الجيلي عمله البشري إلى الحق ، وأعطاه العصمة والصدق وعدم احتمال النقص والخطأ ، بل ادّعى أنه تلقى المعلومات التي احتواها كتابه بواسطة الكشف والإلهام ، وأن الله أمره بإظهاره ، بما فيه من كلمات صريحة وكلمات غامضة ملتبسة ، وأن الله وعده بعموم الانتفاع به ، قال : “وكنت قد أسست الكتاب على الكشف الصريح ، وأيدت مسائله بالخبر الصحيح ، وسميته بـ : الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل .. فأمرني الحق الآن بإبرازه ، بين تصريحه وإلغازه ، ووعدني بعموم الانتفاع ، فقلت طوعا للآمر المطاع ، وابتدأت في تأليفه ، متكلا على الحق وتعريفه” ( [34] ) .

وما اعتمده المتصوفة من أدلة سواء من القرآن الكريم أو من الحديث النبوي على مشروعية الكشف والإلهام لا يستقيم من حيث المعاني المستنبطة ، وذلك كما يلي :

1 – قوله تعالى : (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) العنكبوت [69] ، لا يدل على الكشف غير المحدود أو الإلهام المطلق ، إنما المعنى الذي يفيده : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين يبصرهم ربهم طرقهم في الدنيا والآخرة ، أو المعنى : الذين يعملون بما يعلمون ، يهديهم ربهم لما لا يعلمون ، وليس ينبغي لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر ، فإذا سمعه في الأثر عمل به ، وحمد الله حين وافق ما في نفسه ( [35] ) .

2 – قوله تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) البقرة [281] ، المعنى الذي يفيده : خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره ، يعلمكم الله كقوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم) الأنفال [29] ، وقوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يوتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) الحديد [27] ( [36] ) ، والمعنى من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وفق لمعرفة الحق من الباطل ، وأعطي الهدى الذي يجنبه العمى والجهالة ، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة ( [37] ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية