العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
يُرجع الطاهر ابن عاشور في تصحيح ثبوت هذه الصفات في الشخص المرشح إلى جهة أعلى مستأمنة على “ التعيين “، وهي “ الخليفة ” ومن يقاربه في مكانته، أو من جهة أدنى، وهي الرعية صاحبة الحق الموكلة له إن لم يكن من ينوب عنهم في ذلك، فإن التعيين داخل فيما تفوضه الرعية للراعي الأكبر من أمور تدبير “ الأمر ” و” الشأن ” بعد أن تختاره أو تقره، ومدار تلك الشروط على ثلاثة أشياء، وهي صفة جامعة مركبة: الإسلام، والعلم، ويدخل تحته العقل، و” العدالة “، ونص الطاهر ابن عاشور: « وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إما الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه، أو من جماعات المسلمين إذا لم يكن لهم سلطان، وإما صفات الكمال التي تجعلهم محل اقتداء الأمة بهم، وهي الإسلام والعلم والعدالة، فأهل العلم العدول: من أولي الأمر بذاتهم، لأن صفة العلم لا تحتاج إلى ولاية، بل هي صفة قائمة بأربابها الذين اشتهروا بين الأمة بها، لما جرب من علمهم وإتقانهم في الفتوى والتعليم، قال مالك: أولو الأمر أهل القرآن والعلم، يعني: أهل العلم بالقرآن والاجتهاد » [19] .
شرط العقل:
من لطيف إبداعات الطاهر ابن عاشور أنه جعل “ العقل ” أداة تصريف هذه الأخلاق العملية، وهي في باب السياسة آكد، فإنه قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: 72]: « ومعنى عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال يندرج في معنى تفسير الأمانة بالعقل، لأن الأمانة بهذا المعنى من الأخلاق التي يجمعها العقل ويصرفها » [20] ، فالعقل هو المكلف بجمع الأخلاق السياسية وتصريفها تصريفا يقتضي تحقيق المقاصد الكبرى من الولاية على أمور الرعية، بإقامة مصالحها ودرء المفاسد عنها، وإزالة الضرر ورفع الضيق والحرج عنها، فيكون العقل هنا الشرط الأول في صلاحية “ الراعي ” للرعاية.
من فروع هذا أن من مقتضى العقل أن يكون الراعي الموكل له أمر تدبير الشأن العام -كما يقال- له علم بطرق ومسالك التدبير والإدارة، مؤهلا بالحكمة القاضية بوضع الشيء في موضعه، ويتوسع هذا باتخاذ المشورة لسد الخلل في هذه “ القدرة العلمية “، ويدخل فيها العلم بالشرع، والقصد أن يكون عنده ما يعقله عن مخالفته، فيعتصم بمعرفة الأدلة وطرق النظر والاستشارة للفقهاء لتحصيل الإحسان عند النظر والعمل.
الأمانة والعلم:
قال الطاهر ابن عاشور عند تفسير عرض يوسف عليه الصلاة والسلام نفسه على العزيز ليجعله القائم على تنزيل تأويل رؤيا البقرات والسنبلات : « علّل طلبه ذلك بقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾ [يوسف: 55] المفيد تعليل ما قبلها لوقوع (إنّ) في صدر الجملة، فإنه علم أنه اتصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في الناس بله كلتيهما، وهما الحفظ لما يليه، والعلم بتدبير ما يتولاه، ليعلم الملك أن مكانته لديه وائتمانه إياه قد صادفا محلهما وأهلهما، وأنه حقيق بهما لأنه متصف بما يفي بواجبهما، وذلك صفة الحفظ المحقّق للائتمان، وصفة العلم المحققّ للمكانة » [21] .
أما الأمانة فقد مر كشف محلها، وأما العلم فقد قرن بها، وخلاصة ابن عاشور من هذا أن من صفات الراعي المطلوبة “الأمانة والعلم”، ومن طريق الاقتران يفهم أن العدل فرع العلم مع الأمانة، وقد جعل الله العلم والعدل أساسي الأمانة، فقال: ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72] ، أي: أن سبب الخيانة الجهل والظلم، وهما نقيضا العلم والعدل، وتتبع شبكة الارتباطات بين هذه القيم يكشف عن وعورة السير في هذه المسالك، وعن خطورة الأمر، ولذلك لا يتكلم، بل لا يخوض فيه إلا الراسخون في العلم والإيمان.
قال الطاهر ابن عاشور: « فمعنى ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أنه قصّر في الوفاء بحق ما تحمله تقصيرًا: بعضُه عن عمْد وهو المعبر عنه بوصف ظلوم، وبعضه عن تفريط في الأخذ باسباب الوفاء وهو المعبر عنه بكونه جهولًا، فظلوم مبالغة في الظلم وكذلك جهول مبالغة في الجهل، والظلم: الاعتداء على حق الغير، وأريد به هنا الاعتداء على حق الله الملتزم له بتحمل الأمانة، وهو حق الوفاء بالأمانة، والجهل: انتفاء العلم بما يتعين علمه، والمراد به هنا انتفاء علم الإِنسان بمواقع الصواب فيما تحمل به، فقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ مؤذن بكلام محذوف يدل هو عليه، إذ التقدير: وحملها الإِنسان فلم يف بها، إنه كان ظلومًا جهولًا، فكأنه قيل: فكان ظلومًا جهولًا، أي: ظلومًا، أي: في عدم الوفاء بالأمانة، لأنه إجحاف بصاحب الحق في الأمانة أيًّا كان، وجهولًا في عدم تقديره قدر إضاعة الأمانة من المؤاخذة المتفاوتة المراتب في التبعية بها» [22] .
العدل والأمانة في مقابل الطاعة:
استطاع الطاهر ابن عاشور أن يستخلص أجزاء العقد الاجتماعي والسياسي بين الراعي والرعية من مجموع من استخرجه من الآيتين ومقتضياتهما، فقد جعل الأمانة والعدل أساس الواجب المناط بالراعي، استحضر الواجب على الرعية له، وهي الطاعة، ثم ربط بين هذه الأجزاء الثلاثة ربطا محكما، جاعلا إقامة العدل وأداء الأمانة وفق ما حققه في مقابل طاعة الرعية للراعي المكلف بهما، بل جعل الطاعة واجبة، باعتبار أنه لا يمكن للراعي تحقيق المطلوب منه بالعدل والأمانة إلا بهذه الطاعة، فهذ عنده شرط إجرائي لتحققهما، ولذلك يقول في نص تحفة: « لما أمر الله الأمة بالحكم بالعدل، عقب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكام ولاة أمورهم، لأن الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشروع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أن الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف، ولهذا قال علي: (حق على الإمام أن يحكم بالعدل ويودي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا )» [23] .