شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

هذا نص كعود فاخر، يكاد يحترق من شدة ازدحام المعاني فيه، ولو لم تمسسه شرارة النظر، فقد بلغ فيه الطاهر ابن عاشور المدى البعيد في بيان “ هندسة العقد الاجتماعي “، فإنه جعل طاعة ولاة الأمور تنفيذا للعدل، أي: أن مقتضى العدل من الراعي هو طاعة الرعية له، فبهم يكون العدل، ولهم، وهذا تنبيه مهم جدا، وهذا الذي يفسر سبب اشتراط الشرع طاعة الرعية للراعي في المعروف، لأن ذلك من طبيعة العلاقة بينهما في الأصل، فإنما أمرت الرعية بالطاعة لأجل أن يستطيع الراعي إقامة العدل وأداء الأمانة، ويزين الطاهر ابن عاشور هذا الكشف القرآني بملاحظة رائعة، وهي أن طاعة الرعية للراعي في ذلك هي في الأصل طاعة للشريعة التي بنت هذه العلاقة بينهما، وهو الوكيل بذلك، ونص كلام الطاهر ابن عاشور: « أمر الله بطاعة الله ورسوله، وذلك بمعنى الطاعة للشريعة، فإن الله هو منزل الشريعة، ورسوله مبلغها والحاكم بما في حضرته » [24] ، فإن كانت الطاعة شرطا كونيا في حصول العدل والأمانة، فإنهما في نفس الوقت شرطان شرعيان في الطاعة، وهي دائرة عجيبة تجمع الشرطية الكونية والشرعية، وتنغلق انغلاقا محكما لأجل تحصيل المقصد الأكبر منها، وهو إقامة مصالح الدين والدنيا للرعية، ولذلك تميل نفسي إلى تصوير هذه العلاقة بالدائرة المغلقة، وكلها استمر دورانها حول نفسها اتسعت، ويمتلأ داخلها بتحقق المصالح للدارين.

العدل:

عرف الطاهر ابن عاشور العدل في سياق الآيتين بقوله: « العدل ضد الجور، فهو في اللغة التسوية، يقال: عدل كذا بكذا، أي سواه به ووازنه عدلا، ﴿ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] ، ثم شاع إطلاقه على إيصال الحق إلى أهله، ودفع المعتدي على الحق عن مستحقه، إطلاقا ناشئا عما اعتاده الناس أن الجور يصدر من الطغاة الذين لا يعدون أنفسهم سواء مع عموم الناس، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا، وإن شاءوا جاروا وظلموا، قال لبيد:

ومقسم يعطي العشيرة حقها *** ومغذمر لحقوقها هضامها

فأطلق لفظ العدل الذي هو التسوية، على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، وذلك فك الشيء من يد المعتدي، لأنه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين، فهو كناية غالبة، ومظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحق بأخذ حقه ممن اعتدى عليه، ولذلك قال تعالى هنا: ﴿ وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ ٱلنَّاسِ أَن تَحكُمُواْ بِٱلعَدلِ﴾ [النساء: 58] ، ثم توسعوا في هذا الإطلاق حتى صار يطلق على إبلاغ الحق إلى ربه، ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع.

والعدل مساواة بين الناس أو بين أفراد أمة في تعيين الأشياء لمستحقها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأول هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء بدون استحقاق.

فالعدل وسط بين طرفين، هما الإفراط في تخويل ذي الحق حقه، أي: بإعطائه أكثر من حقه، والتفريط في ذلك، أي بالإجحاف له من حقه، وكلا الطرفين يسمى جورا، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته، كإعطاء المال بيد السفيه، أو تأخيره، كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَموَٰلَكُمُ﴾ [النساء: 5] إلى قوله: ﴿ إِن ءَانَستُم مِّنهُم رُشدا فَٱدفَعُواْ إِلَيهِم أَموَٰلَهُم﴾ [النساء: 6] ، فالعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو حسن في الفطرة، لأنه كما يصد المعتدي عن اعتدائه، كذلك يصد غيره عن الاعتداء عليه، كما قال تعالى: ﴿ لَا تَظلِمُونَ وَلَا تُظلَمُونَ ﴾ [البقرة: 279] » [25] .

هذا نص مليء مركز المعاني، قوي البناء، يحتاج إلى جهد لفكه وإعادة تركيبه، وليس هذا غريبا عن النص العاشوري، وهو ما يرفع قيمته ويشجع على وضع يد التحليل عليه، فقد أقام الطاهر ابن عاشور هذا التحقيق في معنى العدل في مجال “ السياسة ” على أصل بلاغي لطيف، فجعل الأصل في العدل “المساواة”.

ومن تفريعات الطاهر ابن عاشور المهمة أنه جعل العدل أصلا واجب الاعتبار في وضع الشرائع الأرضية سواء كان ذلك بإطلاق، أو كان ذلك في مجالات المصلحة المرسلة، وعبارته: « وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في تحديده أفهام مخطئة تعين أن تسن الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرعين ومصطلحات المشرع لهم، على أنها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في بعض الأحوال » [26] .

يقسم ابن عاشور إذن العدل الواجب على الحاكم إجرائيا إلى قسمين، عدل في تعيين الحقوق، وعدل في التنفيذ ، وهما عند التحقيق مرحلتان، الأولى: تعيين أهل الحق وتعيين حقوقهم المستحقة لهم عند سن الشرائع التنظيمية، وهذا عمل ما يسمى اليوم “ السلطتين التشريعية والقضائية “، ومعها المؤسسات والإدارات المساعدة، وأغلبها داخل في ما يسمى “ وزارة الداخلية “، والثانية مرحلة تنفيذ ذلك وتنزيلها، وهذا عمل “ الحاكم ” و” حكومته ” وتسمى لأجل ذلك “ السلطة التنفيذية “.

الأمانة:

يعرف الطاهر ابن عاشور الأمانة -وهي من الأخلاق السننية عنده والتي اعتبرها خلقا فطريا [27] – بطريقة بديعة، بعد تقسيمها إلى أمانة حسية وأمانة معنوية مثل أمانة الدين، والعلم، والحق، والنعمة [28] ، فيربطها بأصلها الاشتقاقي، وهو ربط ذكي ومحكم فيقول: « والأمانة مصدر آمنه إذا جعله آمنا، والأمن اطمئنان النفس وسلامتها مما تخافه » [29] ، و «الأمانة اسم لما يحفظه المرء عند غيره، مشتقة من الأمن لأنه يأمنه من أن يضيعها » [30] ، فتكون النتيجة أن الأمانة حفظ للحقوق حفظا يوقع في قلوب أصحابها الإحساسَ بالأمن مما تخافه عليها، واطمئنانَ النفس بحفظها وعدم ضياعها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية