العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
وأما سننيتها فثمّ نص رائع للطاهر ابن عاشور يكشف فيه عن سننية خلق الأمانة ومتعلقاته الاجتماعية للدولة حاكما ومحكوما، والاقتصادية خاصة بطريقة حبيرة يقول فيه: « لأن المعاملات تعتمد الثقة المتبادلة بين الأمة، وإنما تحصل بشيوع الأمانة فيها، فإذا حصل ذلك نشط الناس للتعامل، فالمنتج يزداد إنتاجا وعرضا في الأسواق، والطالب من تاجر أو مستهلك يقبل على الأسواق آمنا لا يخشى غبنا ولا خديعة ولا خلابة، فتتوفر السلع في الأمة، وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها، فيقوم نماء المدينة والحضارة على أساس متين، ويعيش الناس في رخاء وتحابب وتآخ، وبضد ذلك يختل حال الأمة بمقدار تفشي ضد ذلك » [31] ، ويوسع متعلقاتها السننية فيقول: « وللأمانة شأن عظيم في استقامة أحوال المسلمين، ما ثبتوا عليها وتخلقوا بها، وهي دليل نزاهة النفس واعتدال أعمالها، وقد حذر النبيء صلى الله عليه وسلم من إضاعتها والتهاون بها، وأشار إلى أن في إضاعتها انحلال أمر المسلمين…» [32] .
ومن بديع تنبيهاته أيضا أنه جعل الصدق وجها من وجوه الأمانة « لأن الكذبَ الخبرُ بأمر غير واقع في صورة توهم السامع واقع، فذلك خيانة للسامع، والصدق إبلاغ الأمر الواقع كما هو، فهو أداء لأمانة ما علمه المخبر » [33] ، وهذا أيضا بديع، وسننيته بهذا ظاهرة تابعة لسننية الأمانة، وقد أكدت الملاحظة والدراسة أن « انتشار الأكاذيب داخل دولة ما قد يدمر كيانه ويضعف من استقرارها وأمنها الداخلي، فلا يمكن للدولة أن تستمر بكفاءة وفعالية إذا ظل أفرادها يكذب بعضهم على بعض طوال الوقت » [34] ، وهذا الخطاب يسري على الحاكم والمحكوم معا، فعلى الحاكم أن يكون صادقا مع رعيته قولا وعملا، وكذلك الرعية، وإلا انهارت الثقة وضعف الرابط الحيوي بينهما، وانقلب كل طرف على الآخر، فتفشل الدولة وتنحل عراها وتذهب ريحها.
الفرق بين خطاب العدل وخطاب الأمانة :
من لطائف القراءة البلاغية العاشورية في هذا أنه لاحظ الفرق بين أمر الشرع بالعدل وأمره بالأمانة، فقد انتبه إلى أن خطاب العدل خطاب مقيد، بخلاف الأمانة، فإن خطابها كان مطلقا، فقال: « وإنما قيد الأمر بالعدل بحالة التصدي للحكم بين الناس، وأطلق الأمر برد الأمانات إلى أهلها عن التقييد، لأن كل أحد لا يخلو من أن تقع بيده أمانة لغيره، لا سيما على اعتبار تعميم المراد بالأمانات، الشامل لما يجب على المرء إبلاغه لمستحقه كما تقدم، بخلاف العدل، فإنما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس، وليس كل أحد أهلا لتولي ذلك، فتلك نكتة قوله ﴿ وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ ٱلنَّاسِ﴾ [النساء: 58] .
قال الفخر [35] : قوله: ﴿ وَإِذَا حَكَمتُم﴾ هو كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم، فالآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت الدلائل على أنه لا بد للأمة من إمام وأنه ينصب القضاة والولاة وصارت تلك الدلائل لهذه الآية » [36] .
وعند قيام وكالة التدبير نبه الشرع على أن هذه العلاقة قد يشوبها خلاف بسبب نوع تفريط أو إفراط من جهتي التعاقد، فكان لا بد من مرجع عند التنازع.
الخلاف بين الراعي والرعية:
إن مما تضمنته الآيات من أصول العلاقة بين الراعي والرعية الآليات المردود إليها التنازع بينهما، وهو قوله تعالى: ﴿ فَإِن تَنَٰزَعتُم فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59]، وقد جرت عادة الكتاب على الاحتجاج بهذا الموضع على وجوب الاحتجاج بالسنة وصحته، وقد تناول الطاهر ابن عاشور الخطاب الشرعي المضمن فيها بيد “ الصانع الخبير ” فقلبه على وجوهه، وأظهر سره، وجعل ذلك في عبارات حاملات لألطف المعاني فيه فقال: « لما كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعية، وبينهم وبين ولاة أمورهم، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالرد إلى الله وإلى الرسول، ومعنى الرد إلى الله الرد إلى كتابه، كما دل على ذلك قوله في نظيره: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ الله ُ﴾ » [37] ، وقد جعل الطاهر ابن عاشور للوصول إلى سر هذا الخطاب وليجتين، الأولى قوله تعالى: ﴿ تَنَٰزَعتُم﴾ ، فقال: « وضمير ﴿تَنَٰزَعتُم﴾ راجع للذين آمنوا، فيشمل كلّ من يمكن بينهم التنازع، وهم مَن عدا الرسولَ، إذ لا ينازعه المؤمنون، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين، وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمّة، ولذلك نجد المفسّرين قد فسّروه ببعض صور من هذه الصور، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسّروا به، وأحسن عباراتهم في هذا قول الطبري: “يعني فإن اختلفتم -أيّها المؤمنون- أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه”، وعن مجاهد: فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله » [38] ، فجعل رتاج الباب إلى معنى العموم عودة الضمير ﴿ ـتم ﴾ إلى ﴿ الذين آمنوا ﴾، وهو عموم لمن قام بهم التنازع، جهتان فصاعدا، لكنه أخرج النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز منازعته، ويخلص من العموم بعد هذا الاستثناء غيره، وهو يشمل لزوما التنازع بين ولاة الأمر بعضهم مع بعض، وتنازع العلماء بعضهم مع بعض، وتنازع الراعي والرعية، وإن كان سبب النزول يدخل هذا النوع الأخير في العموم دخولا قطعيا، وهو الذي عناه الطاهر بتنبيهه على ما أورده الطبري، فسبب النزول عند العلماء قطعي الدخول في العموم.