نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول
مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان
كانت أحداث السيرة تبدو لها أحيانا مشاهد من مسرحية هزلية! فتقول مثلا: « اغتنم محمد فرصة تغيب حفصة ليشغل حجرتها مع مارية، ولسوء الحظ -وكما يحدث في المسرحيات الهزلية- دخلت حفصة فجأة لتكتشف زوجها بين ذراعي خليلته، فإذا بالزوجة المخدوعة تقول صارخة: يا رسول الله، في بيتي وفي يومي وعلى فراشي، والله لقد سؤتني، كان شعور حفصة بالمهانة كبيرا وبخاصة أن مارية ما كانت زوجة شرعية للنبي » [25] . لاحظ قولها: « كما يحدث في المسرحيات الهزلية »، فهذا يؤكد أن هالة كانت حبيسة العقل الأدبي في قراءاتها التاريخية، يغلب عليها الدجل الأدبي والخيال في محاولة فهم -إن كانت تريد أن تفهم- ما تقرؤه دون تثبت ولا تمييز ولا نقد، وأول الدحض لمحاولتها الخبيثة هذه أن الطبري روى هذه القصة بسنده فقال: « حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ »، ويفسِّر مبهماتِ الرواة هنا روايةُ البيهقي في السنن الكبرى فإنه قال: « محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطيه بن سعد، قال: حدثني أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن بن عطية، حدثني أبي، عن جدي عطية بن سعد، عن ابن عباس » [26] ، « أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة، أخبرنا أبو منصور النضروي الهروى، حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أخبرنا عبيدة، عن إبراهيم وجويبر، عن الضحاك، أن حفصة أم المؤمنين » [27] . وثاني الدحض أنه ليس في الرواية التي أحالت إليها هالة أنها دخلت البيت ووجدت النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي مارية في مشهد يشبه مشاهد مسرحية هزلية، بل فيها أنها وقفت خارج البيت تنتظر خروج النبي صلى الله عليه وسلم. وثالث الدحض أن ما نسبته إلى حفصة مما فيه: « في يومي » من خيال هالة، أو من تدليسها، ففي الرواية التي أحالت عليها عند الطبري والبيهقي: « وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة » [28] !
ومن ذلك أنها زادت في بعض الهوامش كذبا وزورا: « ثمة من قال أيضا: إن بلالا معتوق أبي بكر والمؤذن الشهير المعتمد من الرسول كان موكلا هو الآخر بتقديم حساب عن حركات النبي وسكناته لأبي بكر » [29] ، وهذه تهمة أليق بعملاء الاستعمار والاستشراق، فهم المعروفون بتقديم الحسابات لأسيادهم عن إخوانهم، وزادت: « ذلك أن محمدا كان محاطا بالجواسيس وكان يعلم ذلك جيد ا» [30] ، وأما هذه فنعم، فقد كان حوله جواسيس من المنافقين.
وأما الزيادات المتعلقة بتصوير الحالة النفسية لشخصيات الأحداث فظاهرة واضحة، وفي الأدبيات الروائية والمسرحية الإنسان الوحيد القادر على معرفة ما كان يدور في ذهن الشخصيات هو كاتب الرواية والنص المسرحي فقط، ومهما حاول القارئ فللكاتب سلطة الكشف والإفصاح والجزم، ومن ذلك قولها: « وفي يوم حمله الرسول إلى عائشة، فقال: انظري إلى شَبَهِه بي، فردت عليه عائشة بنبرة حقد دفينة: ما أرى شبها » [31] . قلت: أما الرواية فغير صحيحة؛ لأنها من طريق الواقدي، وهو محمد بن عمر، وهو متروك في الحديث النبوي، وإن سلمنا بصحتها، فمن أين لهالة أن عائشة أجابت “ بنبرة حقد دفينة “؟! ما أجد لهذا جوابا سوى أن يكون “ خيالا واسعا ” لخريجة أدب فرنسي. ولو وصفتُ ما فعلته هالة هنا بأنه “ حقد دفين ” ما ظلمتها.
إذا كان هذا هو المنهج الذي قرأت به هالة الروايات التاريخية، فأين منهج التوثيق العلمي؟
منهج التوثيق عند هالة الوردي:
استعملت هالة الوردي في قراءتها للروايات التاريخية طريقتين معتادتين عند المستشرقين والمتغربين، الانتقاء والتلفيق ، ومعنى الانتقاء اختيار الروايات الموافقة “ للأغراض الفكرية “، فتختار ما يحسن توظيفه وتتجنب ما يتعارض مع المقاصد العامة لذلك، وقد بالغت هالة الوردي في ذلك إلى درجة أني ترددت في اختيار المواضع التي أضرب بها المثل لهذا لكثرتها.
كان منهج هالة مبنيًّا على انتقاء الروايات وفصلها عن سياقها التاريخي، وقد تعمدت إهمال روايات كانت ستعينها على حسن قراءة ما اختارته وانتقته، لكنها لم تكن تريد “ التجويد والتحسين “، بل كان لها غرض واحد: التوظيف .
هناك أمر يغفل عنه غالبا أمثال هالة، بل ويغفل عنه أيضا كثير ممن يحاول القراءة النقدية لمثل هذه الكتب، وهو جواب عن سؤال مهم: هل تَعتبِر هالة الوردي وأمثالها “ التراث التاريخي الروائي ” مرجعا معتمدا في التحقق من وقوع الأحداث؟ الجواب: لا، ولذلك تستسيغ هذه الفرقة من الباحثين عدم احترام قواعد التحقيق، ويتساهلون في الاستشهاد؛ لأنه لا حرمة عندهم لتلك الروايات.
من أوجُه الضعف في القراءة التاريخية لهالة أنها لم تكن تعتمدُ الروايات المسندَة فقط، بل اعتمدت على كل كتاب وردت فيه رواية وإن كان كتابا في الأدب والتاريخ العام، ولو كان هناك انقطاع زمني بين المؤلف والأحداث، موهمةً الاستكثار وأنها استقرَأت وطالعَت، من ذلك أنها كانت تحيل إلى “الإمامة والسياسة” لابن قتيبة [32] مع عدم صحة نسبة الكتاب إليه، وإلى “شرح نهج البلاغة” لابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي [33] ، وإلى “العِقد الفريد” لابن عبد الربيع [34] ! و”تاريخ اليعقوبي” الشيعي [35] ، والمسعودي الشيعي في “مروج الذهب” [36] ، بل تنقل عن “معجم البلدان” لياقوت الحموي [37] ! و”بحار الأنوار” للمجلسي [38] ، و”الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد” للشيخ المفيد [39] ، وعن كتاب سليم الشيعي الإمامي [40] ، وعن كتاب “الأغاني” [41] ، وعن “الإتقان” للسيوطي [42] ، بل اعتمدت على “تفسير الرازي” في ذكر تفاصيل أحداث في السيرة [43] ! وهو كتاب من القرن الثالث عشر الميلادي، أي: السابع الهجري، فقد توفي فخر الدين الرازي بعد 616 سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.